من الانتداب إلى الشراكة الاقتصادية: كيف تحولت العلاقات الفرنسية السورية من الهيمنة إلى المصالح؟

اجنادين نيوز / ANN
د. رمضان العمر
تعتبر العلاقات السورية الفرنسية من أكثر العلاقات الدولية تعقيدًا وتشابكا في دول الشرق الأوسط، حيث تجمع بين إرث تاريخي مثقل بمرحلة الانتداب الفرنسي (1920–1946) من جانب وبين مصالح سياسية واقتصادية متجددة فرضتها واوجدتها التحولات الإقليمية والدولية من جانب آخر، حيث انتقلت هذه العلاقات عبر قرن من الزمن من واقع نموذج السيطرة الاستعمارية إلى نمط أكثر براغماتية مبني على المصالح الاقتصادية بين البلدين، والاستثمار وإعادة إعمار الأرياف والمدن بالإضافة إلى التعاون في مجالات الطاقة والنقل والبنية التحتية، ويظهر هذا التحول حقيقة رئيسية في العلاقات الدولية، مفادها أن المصالح الاستراتيجية والاقتصادية في معظم الأحيان تعيد رسم السياسات الخارجية للبلدان، بغظ النظر عن طبيعة العلاقات التاريخية بينها.
خلال أعوام الانتداب الفرنسي على سوريا عملت سلطات الانتداب الفرنسية على بناء منظومة سياسية وإدارية واقتصادية من شأنها أن تضمن استمرار نفوذها في المناطق السورية وكذلك ربط الاقتصاد السوري بالاقتصاد الفرنسي، وأيضاً السيطرة على قطاعات أساسية وعلى سبيل المثال لا الحصر الموانئ والسكك الحديدية والجمارك، والثروات الزراعية، وقد تركت تلك المرحلة آثارًا كبيراً وعميقة في الذاكرة الوطنية السورية.
ومن ناحية أخرى نستطيع القول أن استقلال سوريا عام 1946 شكّل نقطة محورية ومفصلية، إذ انتهى الوجود الفرنسي المباشر على الأراضي السورية ودخلت العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة اتسمت بالتذبذب استنادا إلى المتغيرات السياسية والدولية فقد شهدت العلاقات في بعض الأحيان نوعاً من التقارب، وأخرى نوعاً من التوتر والتأزم وتحديداً بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، عندما تبنت فرنسا مواقف سياسية لا تتوافق مع رغبة النظام البائد حيث أدت إلى تراجع العلاقات بين البلدين وبالأخص الدبلوماسية والاقتصادية بشكل كبير جدا بالتوازي مع فرض العقوبات الأوروبية التي استهدفت قطاعات رئيسية من الاقتصاد السوري.
بالمقابل نجد أن التطورات السياسية التي شهدتها سوريا منذ عام 2025، وما تبعها من رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية الأوروبية، وأيضا فتحت الأبواب أمام إعادة صياغة العلاقات مع البلدان الأوروبية، وفي مقدمتها فرنسا التي ساندت داخل الاتحاد الأوروبي مسألة تخفيف ورفع العقوبات الاقتصادية بهدف دعم التعافي الاقتصادي السوري وكذلك إعادة الاندماج في الاقتصاد الدولي.
وبهذا الخصوص عرفت العلاقات السورية الفرنسية خلال العامين الماضيين تطورات واضحة تمثلت بالتالي
* عودة الحوار السياسي بين البلدين.
* استئناف الاتصالات الرسمية.
* زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق في تموز/يوليو 2026، ولابد من الإشارة هنا إلى أنها أول زيارة يقوم بها رئيس غربي رفيع المستوى إلى سوريا بعد التحولات السياسية الأخيرة التي شهدتها سوريا.
وأظهرت الزيارة مؤشرًا واضحًا على انتقال العلاقات من القطيعة بينهما إلى مرحلة الانفتاح التدريجي، إذ ترافقت مع الإعلان عن الآتي:
* بعض الاتفاقيات.
* مذكرات التفاهم الاقتصادية.
* إعادة التمثيل الدبلوماسي بين الجانبين.
وهنا لا بد من الاشارة الى أهم هذه الاتفاقيات وهي
* توقيع مجموعة CMA CGM الفرنسية اتفاقية لتشغيل خدمات الشحن الجوي في مطار دمشق الدولي.
* إدارة مرافق لوجستية داخل سوريا في إطار خطة أوسع لتطوير قطاع النقل والخدمات اللوجستية.
كما أعلنت شركة TotalEnergies الفرنسية بدء مباحثات مع سوريا لتوقيع اتفاقيات تتعلق باستكشاف النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية.
دراسة مشاريع لإعادة تأهيل البنية التحتية السورية للطاقة وخطوط النقل النفطي. وهو ما يعكس اهتمام الشركات الفرنسية بالعودة إلى السوق السورية بعد أعوام من القطيعة.
تدل هذه التطورات أن الاقتصاد أصبح أداة أساسية في إعادة بناء العلاقات بين البلدين، حيث تدرك فرنسا أن عملية إعادة إعمار المدن والقرى السورية تمثل فرصة اقتصادية كبيرة للكثير من الشركات الأوروبية، بينما تنظر سوريا إلى الاستثمارات الأجنبية باعتبارها ركيزة رئيسية بهدف إعادة تنشيط الاقتصاد الوطني السوري وكذلك استعادة البنية التحتية التي تضررت خلال أعوام الحرب.
نستطيع القول إنه من منظور العلاقات الدولية فإن هذا التحول الكبير لا يعكس تغيرًا في المبادئ بقدر ما يدل على تغير في أولويات السياسات الخارجية، فالبلدان لا تبني علاقاتها على الاعتبارات التاريخية وحدها فحسب بل على حسابات للمصالح المشتركة والأمن والطاقة والأسواق وغيرها … ولهذا فإن الانتقال من مرحلة الانتداب إلى مرحلة الشراكة الاقتصادية مع سوريا لا يعني بالضرورة محو الذاكرة التاريخية، بل يعكس قدرة المصالح المشتركة على فتح قنوات جديدة للتعاون رغم خلافات وتأزم التاريخ الماضي.
وفي الختام تبدو العلاقات الدولية السورية الفرنسية في هذه الأيام أمام مرحلة جديدة وتختلف جذريًا عن المراحل الماضية حيث لم يعد النفوذ يُمارس عبر طريق الاحتلال أو الانتداب بل من خلال الاستثمار والتكنولوجيا والطاقة و إقامة المشروعات الاقتصادية الواسعة بالمقابل يظل نجاح هذه المرحلة مرهونًا باستقرار الوضع السوري، واستمرارية الانفتاح العالمي على سوريا وقدرة الجانبين على بناء علاقة مبينة على الاحترام المتبادل وصون السيادة الوطنية، وأيضاً تحقيق المصالح المشتركة بغظ النظر عن إرث الصراع التاريخي بين الجانبين وهنا لا بدّ من الذكر أنه يجب البقاء على هذا الإرث كعنصر محوري ومهم لفهم طبيعة التحولات والتغيرات التي شهدتها العلاقات الدولية بين البلدين على امتداد قرن كامل من الزمان.



