من يصنع الإرهاب ! المجتمع بآلياته الإقصائية، أم البيئة المحيطة بظروفها الطاردة ! قراءة في نص مسرحي لضياف درويش اليمني

اجنادين نيوز / ANN
أسعد الجوراني
هذا التساؤل الأزلي لا يجد إجابة أكثر عمقاً وصدمة مما قدمه النص المسرحي للكاتب اليمني ضياف درويش
إنه تجسيد حي لجدلية الجريمة بين المسؤولية القانونية الفردية والمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية
فيما يلي قراءة قانونية وتحليلية تربط بين النص المسرحي والمنظور القانوني المعاصر لظاهرة الإرهاب الدموي
#اولاً: تفكيك النص المسرحي (سيكولوجية الإرهابي والبيئة)
يعكس النص بدقة لحظة “المواجهة الأخيرة” بين المجرم والمجتمع المتهم هنا لا ينكر فعله بل يعيد تعريفه من منظور سوداوي
البيئة والمجتمع كأسباب دافعة تبدأ الصرخة بـ (أين كانت هذه العيون عندما كنت أصرخ وحيداً أبحث عن عمل…). هنا تظهر البيئة الاقتصادية والاجتماعية الطاردة الفقر، البطالة، غياب الحاضنة العاطفية والاجتماعية، والتهميش، كلها عوامل حوّلت “الإنسان” إلى “قنبلة موقوتة”. المجتمع غاب في مرحلة “البناء والتوجيه”، وحضر فقط في مرحلة “الخوف والعقاب”.
الانفصام والعدمية يتحول الإرهابي في النص إلى مخلّص وهمي (اقتربت منهم واهديتهم الحب وضغطت على الزر لامنحهم الخلاص… بوووم). هذا التبرير يوضح كيف تصنع البيئة المحبطة فكراً متطرفاً يرى في الموت والدمار وسيلة مثالية لإنهاء المعاناة الإنسانية
محاكمة المجتمع يختتم النص بعبارة (جميعكم مذنبون) تزامناً مع الانتحار. إنه يرفض سلطة القانون الوضعي ومطرقة القاضي (لن تحكموا عليّ)، معتبراً أن المجتمع هو الشريك الفعلي في الجريمة بصمته وخذلانه
#ثانياً: المقال القانوني بين النص العقابي والواقع الاجتماعي
المقاربة القانونية الفعل والنتيجة
من الناحية القانونية الصرفة، تقوم المسؤولية الجنائية على ركنين أساسيين: الركن المادي (تنفيذ التفجير وإزهاق الأرواح)، والركن المعنوي (القصد الجنائي ونية القتل والترويع)
وفقاً لقوانين مكافحة الإرهاب عالمياً، فإن المحاكم لا تعتد بالدوافع النفسية أو الظروف الاجتماعية كمبرر لإعفاء الجاني من العقوبة (التي تصل للإعدام)، لأن القانون يحمي الحق في الحياة والاستقرار ، ولا يمكن إباحة الجريمة بذريعة “البحث عن العمل” أو “التهميش”
المنظور القانوني والسياسة الجنائية الوقائية
رغم أن القانون يعاقب الفرد، إلا أن الفقه القانوني الحديث والاتفاقيات الدولية (مثل استراتيجية الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب) بدأت تلتفت بقوة إلى “البيئة الطاردة”
إن القوانين الزجرية (مطرقة القاضي التي وردت في النص) تعاقب على النتيجة بعد وقوع الجريمة، لكنها لا تمنع “السبب”. وهنا تبرز مسؤولية المجتمع والدولة في إطار ما يُعرف بـ السياسة الجنائية الوقائية، والتي تشمل :
الحماية الاجتماعية توفير فرص العمل والعدالة الاجتماعية لمنع استغلال الجماعات الإرهابية لحاجة الشباب
الأمن الفكري والنفسي تفعيل دور المؤسسات التعليمية والثقافية لملء الفراغ الروحي والفطري الذي يشتكي منه بطل المسرحية
إن الإرهاب في القراءة القانونية والاجتماعية التكاملية هو منتج مشترك يصنعه المجتمع والبيئة عندما يتخليان عن وظائفهما الاحتوائية والتربوية والاقتصادية، ولكن يخرجه إلى النور الفرد باختياره الواعي لطريق الدمار
النص المسرحي صرخة بوجه المشرّع والمسؤول؛ إن مطرقة القاضي وإن كانت تحقق الردع العام، إلا أن حبل المشنقة وإظلام المسرح في النهاية يثبتان أن العقاب وحده لا ينهي الفكرة الإرهابية إذا ظلت البيئة تنتج اليأس، وظل المجتمع يمارس الصمت والتهميش تظل العدالة الحقيقية هي التي تبني الإنسان قبل أن تحاكمه




