اختراق العزلة: “طريق الحرير الأكاديمي” وبوابات الأمل للجامعات اليمنية

اجنادين نيوز / ANN
بقلم نجيب الكمالي رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين اصدقاء وحلفاء الصين
لعقود طويلة، ارتبط اسم الصين في الذهنية العالمية بالأرقام الاقتصادية الفلكية، والاستثمارات العملاقة، ومشاريع البنية التحتية العابرة للقارات. كان الحديث عن استراتيجية “حزام واحد.. طريق واحد” يستدعي فورًا صور الموانئ الكبرى، وشبكات السكك الحديدية، والمناطق الصناعية الضخمة. لكن المشهد بدأ يشهد تحولاً هادئًا وعميقًا في السنوات الأخيرة؛ فالصين اليوم لا تكتفي بمد جسورها الاقتصادية، بل تعيد صياغة استراتيجيتها لتضع “التعليم” في صدارة أدوات نفوذها الناعم، كواحدة من أبقى الوسائل لبناء علاقات استراتيجية طويلة الأمد مع دول العالم، لا سيما تلك التي كانت تقع خارج دائرة اهتمامها التقليدي.
وفي هذا السياق، تكتسب التحركات الصينية الأخيرة تجاه المؤسسات الأكاديمية العربية، واليمنية على وجه الخصوص، أبعادًا تتجاوز الأطر البروتوكولية العابرة. إن اللقاءات التنسيقية المثمرة بين الملحقية الثقافية اليمنية في بكين ومنظمة “طريق الحرير” الصينية، بمشاركة فاعلة من مسؤولي العلاقات الدولية بالجامعات اليمنية، ليست أحداثًا معزولة، بل هي انعكاس لمعادلة تبادلية ذكية: صينٌ تبحث عن شركاء أكاديميين جدد لترسيخ حضورها المعرفي، ويمنٌ يكافح لكسر عزلته الأكاديمية الخانقة وفتح نوافذ جديدة نحو العالم.
تأتي مخرجات هذه التفاهمات محملة بوعود حقيقية؛ بدءًا من برامج التدريب الصيفي للطلاب، مرورًا بمنح تعليم اللغة الصينية لأعضاء هيئة التدريس، وصولاً إلى صياغة توأمات وشراكات مباشرة بين كليات الطب والمؤسسات المثيلة في الصين. هذه البنود ليست مجرد حبر على ورق في محاضر الاجتماعات، بل هي بوابات عبور حقيقية تتيح للجامعات اليمنية الانعتاق نحو فضاء معرفي وتقني أوسع.
وهنا، يستوجب المشهد لفتة إشادة مستحقة بفريق جامعة تعز، يقوده الأستاذ حمود رسام، الأمين العام للجامعة، الذي أبدى متابعة جادة وجهودًا استثنائية في هذا الملف. ففي الوقت الذي تتنافس فيه كبريات الجامعات الإقليمية على اقتناص فرص التعاون مع بكين، سجلت جامعة تعز حضورًا مبكرًا وبصمة واضحة، مستبقة الكثيرين في تحويل النوايا الدبلوماسية إلى خطوات إجرائية ملموسة.
ومع ذلك، يظل السؤال الجوهري القائم: هل البيئة الأكاديمية اليمنية مستعدة لاستيعاب هذه الفرصة؟
فالصين التي تمد يد التعاون اليوم، تتحرك وفق منطق الدول الذكية التي تتقن حساب العوائد؛ هي لا تقدم منحًا وبرامج مجانية، بل تستثمر في بناء جيل من الأكاديميين والباحثين ليكونوا جسورًا مستقبلية يتدفق عبرها التعاون الثنائي. وهذا ليس مأخذًا، بل هو واقع العلاقات الدولية المعاصرة.
إن اليمن، الذي يئن تحت وطأة حصار أكاديمي، وشح حاد في التمويل، وتراجع اضطراري في جودة التعليم، في أمسّ الحاجة اليوم إلى هذه الشراكات. لكن النجاح في استثمارها يتطلب ورشة عمل داخلية لتطوير البنية التحتية الرقمية، وتأهيل الكوادر، وخلق أطر مؤسسية مرنة قادرة على مواكبة هذا الانفتاح.
إن التحول الصيني نحو الاستثمار في التعليم يمثل فرصة تاريخية قد لا تتكرر قريبًا للجامعات اليمنية. ومن يمتلك بعد النظر لاقتناصها اليوم سيضمن لنفسه مقعدًا في قطار المستقبل، أما المترددون فقد يجدون الأبواب قد أُغلقت. والأيام القادمة هي الاختبار الحقيقي لإثبات ما إذا كانت جامعة تعز، وشقيقاتها من الجامعات اليمنية، على قدر هذه اللحظة الاستراتيجية الفارقة.




