صراع البقاء وصناعة المجد القيادة العشائرية بين الإرث والمؤهلات الذاتي

بقلم : اسعد الجوراني
تُمثّل القيادة العشائرية في المجتمعات العربية أحد أقدم الأنماط التي حافظت على تماسك البناء الاجتماعي، يعيش هذا النمط اليوم مخاضاً تحولياً عميقاً يضعه بين مطرقة (الإرث والوراثة وسندان المؤهلات الذاتية والاستحقاق ) وتطرح مسألة توريث العناوين الاجتماعية (كالمشيخة أو الوجاهة) إشكالية بنيوية معقدة؛ فالعنوان الذي يُنقل عبر الدم والنسب لم يعد كافياً وحده للصمود أمام متغيرات العصر، بل بات عُرضة للتآكل والضمور إذا لم يسنده تمكين مادي وحضور كاريزمي، مما يفتح الباب على مصراعيه لبروز مفهوم (صناعة المجد الشخصي) القائم على الجهد والمال كأدوات نفوذ حديثة ومعاصرة
تستند القيادة في المنظومة العشائرية إلى شرعية الوراثة، حيث يُنظر إلى العنوان الاجتماعي كأمانة تاريخية تنتقل من الآباء إلى الأبناء. لكن هذه الآلية تواجه اليوم تحديات بنيوية تؤدي في كثير من الأحيان إلى ضمور هذا العنوان وتآكله، ويرجع ذلك لسببين رئيسيين:
#الضعف_المادي تاريخياً ارتبطت الزعامة بالقدرة على العطاء وحل النزاعات التي قد تتطلب غرامات مادية (ديّات أو تسويات) في العصر الحالي، ومع تعقد الظروف الاقتصادية، فإن القائد التقليدي الذي يفتقر إلى الملاءة المالية يجد نفسه عاجزاً عن تلبية التزامات عنوانه الاجتماعي. فالجاه بلا مال في بيئة عشائرية حديثة قد يتحول إلى وجاهة رمزية تفتقر إلى القدرة الفعلية على التأثير وتحريك الجماعة
#السلوك_الإقصائي وضيق الأفق تعتمد استمرارية العنوان الموروث على الحكمة والقدرة على استيعاب الجميع وحين يتبنى الوارث سلوكاً إقصائياً يعتمد على الاستعلاء بالنسب دون تقديم خدمات حقيقية لأفراد عشيرته، أو عندما ينكفئ على مصالحه الضيقة مُقصياً الكفاءات والشخصيات المؤثرة داخل العشيرة، فإنه يسرّع من عملية تآكل شرعيته. هذا السلوك يخلّف فجوة ثقة تدفع الأفراد للبحث عن بدلاء يمتلكون حلولاً واقعية لمشاكلهم اليومية ،
في مقابل تراجع بعض العناوين الموروثة لم يعد الفرد مستعداً للقبول بقيادة لمجرد أنها ورثت اسماً كبيراً، بل أصبح الاستحقاق المبني على الجهد البشري، والمكانة الاجتماعية، والقدرة على المناورة وحل القضايا الاجتماعية هو المعيار الأساسي لصعود قيادات جديدة في منضور الاستحقاق الحديث هو من يصنع لنفسه اسماً من خلال الخدمة العامة، وإصلاح ذات البين بأساليب حديثة، وبناء شبكة علاقات واسعة مع مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والشخصيات الاجتماعية هذا النوع من القيادة يكتسب شرعيته من الفعل لا من الاسم ومن الإنجاز الحالي لا من التاريخ الماضي لا يمكن قراءة التحول في القيادة العشائرية بمعزل عن المال ، إذ يلعب المال اليوم الدور الرئيسي والمحوري في صناعة المجد الحديث وبسط النفوذ وفرض التأثير
إذا كانت الخيول والرجال هي عماد مشيخة الأمس، فإن رأس المال وشبكات المصالح هي عماد زعامة اليوم
العشيرة اليوم لم تعد تكتفي بالدم والنسب، القيادة العشائرية الأكثر استدامة في العصر الحديث هي تلك التي تنجح في دمج النموذجيين:أن تملك إرثاً اجتماعياً مقبولاً تؤهله الوراثة، وتدعمه مؤهلات ذاتية وعلمية، ويسنده غطاء مادي وكرم مالي يضمن الاستقلالية والقدرة على التأثير والبروز. أما العناوين التي تكتفي بالتباكي على أمجاد الماضي دون امتلاك أدوات الحاضر، فإن مصيرها الضمور الحتمي أمام موجة المجد العصامي الحديث ،

زر الذهاب إلى الأعلى