عالم اليوم لا يدور حول شمس واحدة

أجنادين نيوز / ANN

بقلم نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين

في وقت ما كان ينظر إلى الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها مركز النظام الدولي وكأن العالم يدور حولها كما تدور الكواكب حول الشمس دول قريبة من دائرة النفوذ وأخرى أبعد لكن جميعها كانت تتحرك داخل جاذبية مركز واحد واضح لم يكن هذا مجرد تشبيه بلاغي بل انعكاس لمرحلة تاريخية تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية حين تركزت القوة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية في يد قطب واحد تقريبا فبدا العالم وكأنه يتحرك في مدار واحد

لكن هذا المشهد لم يبق ثابتا فمع مرور الوقت بدأت ملامح التحول تتشكل بهدوء وبدأت فكرة المركز الواحد تفقد صلابتها أمام صعود قوى جديدة قادرة على بناء حضور مستقل داخل النظام الدولي لا من خلال كسره فقط بل من خلال إعادة تشكيله

هنا تبرز الصين بوصفها أحد أهم العوامل التي ساهمت في تغيير هذه المعادلة فبدل أن تنخرط في صراع مباشر على فكرة المركز عملت على توسيع نطاق الحركة داخل النظام العالمي نفسه عبر بناء شبكات اقتصادية وتجارية وبنى تحتية تربط القارات ببعضها البعض بشكل متعدد الاتجاهات لا يعتمد على نقطة واحدة فقط
من خلال مبادرات كبرى مثل مبادرة الحزام والطريق توسعت دائرة الشراكات الاقتصادية لتشمل دولا في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ما خلق مسارات جديدة للتجارة والاستثمار لم تعد تمر حصريا عبر مركز واحد بل عبر أكثر من نقطة تأثير في الوقت نفسه
وهكذا لم يعد العالم يدور حول شمس واحدة بالمعنى السياسي القديم بل أصبح أقرب إلى فضاء متعدد المراكز تتقاطع فيه القوى وتتداخل فيه المصالح ويصعب فيه احتكار القرار العالمي من جهة واحدة
هذا التحول لا يعني أن مركز القوة اختفى بل يعني أن طبيعته تغيرت من مركز مهيمن إلى مراكز متجاورة تتنافس وتتعاون في آن واحد وفي هذا السياق لم تعد الولايات المتحدة تمثل المدار الوحيد كما لم تعد الصين قوة هامشية بل أصبحت جزءا من إعادة تشكيل قواعد الحركة داخل النظام الدولي
اليوم لم يعد السؤال من يدور حول من بل كيف يدور العالم نفسه فالنظام الدولي لم يعد يشبه فلكا بسيطا له شمس واحدة وكواكب تابعة بل بات أقرب إلى شبكة معقدة من المدارات التي تتحرك فيها القوى الكبرى داخل توازنات دقيقة تجعل من فكرة المركز الواحد تصورا أقرب إلى الماضي منه إلى الحاضر

زر الذهاب إلى الأعلى