فنّ الطشّة .. كيف يتحوّل الصراخ إلى مشروع سياسي

اجنادين نيوز / ANN
بقلم / حيدر صبي

ليست كل الفنون جميلة ولا كل ما يُتقنها يُستحق الإعجاب ، فكما عرفت البشرية فنون الرسم والموسيقى والخطابة والمسرح ، أفرز زمن المنصات فناً حداثوياً جديداً يمكن تسميته بلا تردد ، ب (( فن الطشّة )) ..

والطشّة بلهجتنا العراقية هي ذلك الظهور المفاجئ يصاحبه صخب مدوّي يصنع من صاحبه نجماً سريعاً عبر الضجيج الفضفاض لا عبر القيمة المثلى ، فيغيّر قناعات الجمهور عبر الإثارة الإعلامية لا عبر الفكرة التي حال تنفيذها تصب بصالح الناس بل نجدها تزيغ دائماً وأبداً نحو مصلحته الشخصية بستثمرها ابشع استثمار وباللعب على ملفات الفساد أو القصور بتقديم الخدمات .

إنه فن لا يجيده إلا من امتلك أدوات مخصوصة ” صوتاً عالياً ، جرأةً بلا ضوابط ، قدرة على التمثيل ، وموهبة في تحريك عواطف الجمهور ” . أما الصدق ، والنزاهة ، والثقافة ، فهذه ليست شروطاً لازمة في هذا المسرح الجديد .

في العراق ، لم تتأخر الأحزاب عن اكتشاف هذه الخلطة السحرية ، فبدلاً من صناعة رجال دولة ، راحت تصنع رجال شاشة ، فتنتقي شخصية قابلة للتسويق تمنحها ( هاتفاً حديثاً ، فريق تصوير ، بعض الملفات المنتقاة بعناية ، مرتب لا بأس به ) ، ثم تقول له ، اخرج للناس ، حطم كسر هدد زمجر وازأر بوجوههم ثم وجّه التُهَم ، افضح واصنع لنا رأياً عاماً !! .

المفارقة أن الملفات التي تُفتح غالباً ليست ضد الفساد كمنظومة ، بل ضد خصوم الحزب فقط . أما ملفات الحلفاء فتبقى في الأدراج محروسة بالصمت ، وهكذا يتحول “ الناشط الشجاع ” الى بندقية إعلامية بيد جهة سياسية ، تُطلقه متى شاءت وتسحبه متى شاءت ؟ .

الجمهور المنهك من الخيبات غالباً ما يبحث عن بطل ، يكفيه رؤية رجلٌ يصرخ بوجه مسؤول ، يلوّح بأوراق ، يتحدث بحرقة ، حتى يمنحه صفات البطولة ، عندها وفي المجالس يُشار إليه بالقول : هذا رجل لا يخاف ، هذا كشفهم وكشف سرقاتهم ، هذا يستحق أن نثق به فبه وامثاله سيتغيّر البلد !! . وبينما الناس تبني فيه أملاً ، كان عرّابوه يبنون به مشروعاً انتخابياً .

حين تبلغ الطشّة ذروتها ، يتحول صاحب البثوث والانفعالات الى مرشح “ مستقل ”، أو الى “ ابن تشرين ”، أو يوصف بأنه “ صوت الشباب المدني الواعي ” ، بينما خيوطه كلها مربوطة بغرفة عمليات حزبية تعرف متى تدفعه ومتى تلمّعه ومتى ترفعه على الأكتاف .

يفوز .. يدخل البرلمان أو المجلس المَحلّي ، هنا تنتهي مرحلة البذار وتبدأ مرحلة الجني ، فيتحصّل على ( المنصب ، العقود ، الوساطات ، الإتاوات والكومنشات والصفقات ) . أما الجمهور الذي كان يصفق له بالأمس ، فيكتشف متأخراً أن من شتم الفساد كان فقط يريد أن يرثه فيشتموه عبر منصاتهم وهذا كل ما يستطيعون فعله .

إن أخطر ما في فن الطشّة ليس أنه بمبتغاها يخدع الناس فحسب انّما يقتل ثقتهم بكل صوت صادق لاحقاً . فعندما يتكرر المشهد ، يصبح المواطن عاجزاً عن التمييز بين ” الشريف والممثل ، بين المناضل والمُسوَّق ، بين صاحب الموقف وصاحب السيناريو ” .

العراق لا يحتاج مزيداً من الطشّاشين قدر حاجته الى رجالٍ يعملون بصمت ، ينجزون أكثر مما يتكلمون ، ويخجلون من الكاميرا إن لم يسبقها فعل . فليس كل من ارتفع صوته كان صادقاً ، ولا كل من لوّح بملف فساد اصبح نزيهاً ، ولا كل من شتم الفساد هو عدواً له ، فأحياناً يكون أكثر الفاسدين براعةً هو أكثرهم صراخاً ضد الفساد .

حيدر صبي

زر الذهاب إلى الأعلى