من فكرة بنك إلى إعادة تشكيل السوق: لماذا نحتاج اقتصاد اشتباك الآن؟

أجنادين نيوز / ANN

بقلم : المهندس غسان جابر عضو الإتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين اصدقاء وحلفاء الصين رئيس فرع فلسطين

مشكلتنا لم تعد أننا لا نملك شعارات… بل أننا نكررها بينما السوق يُعاد تشكيله دوننا.

في الحالة الفلسطينية، تغيّر كل شيء تقريبًا: أدوات السيطرة، شكل الاقتصاد، وحتى طريقة إدارة الحياة اليومية. لكن خطابنا ما زال يدور في نفس الدائرة: صمود، بقاء، تحمّل.

الصمود مهم، لكنه لا يكفي.
لأنه يبقيك موجودًا… ولا يغيّر الشروط التي تعيش فيها.

السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح:

كيف نتحرك داخل هذا الواقع بطريقة تعيد تشكيله، لا أن نتكيّف معه فقط؟

هنا تظهر فكرة اقتصاد الاشتباك.
ليس كشعار جديد، بل كطريقة عمل: أن يتحول الاقتصاد من مساحة خاضعة إلى مساحة تأثير. أن يصبح القرار اليومي—شراء، تمويل، إنتاج—جزءًا من معادلة ضغط حقيقية، حتى لو كانت هادئة وتراكمية.

لكن أي فكرة، مهما كانت قوية، تبقى بلا قيمة إن لم تجد أداة تنفيذ.
وهنا يأتي الحديث عن بنك الخليل التجاري—ليس كبنك إضافي، بل كنموذج مختلف في طريقة التفكير.

القضية ليست بنكًا… بل ماذا يفعل البنك بالسوق

في النموذج التقليدي، البنك يمنح قرضًا وينتظر السداد.
في نموذج اقتصاد الاشتباك، البنك يسأل:
هذا التمويل… هل يعمّق التبعية أم يقلّصها؟

لننزل إلى الأرض:

التاجر: القرار الذي يغيّر الشبكة

تاجر في الخليل يعتمد على الاستيراد عبر السوق الإسرائيلي لأنه الأسهل.
هذا ليس خطأه… بل نتيجة طبيعية لواقع مُصمم بهذه الطريقة.

لكن ماذا لو تغيّر العرض أمامه؟
تمويل أفضل، تسهيلات أطول، وربط مع موردين بديلين—مقابل تقليل هذا الاعتماد.

هنا، القرار لن يكون “وطنيًا” بالمعنى العاطفي، بل اقتصاديًا عقلانيًا.
ومع كل تاجر يغيّر قراره، تبدأ شبكة التوريد بالتحول.
تخيّل فقط:

لو أن 20% من التجار غيّروا مصادرهم خلال عامين…
نحن لا نتحدث عن تفصيل، بل عن تحوّل في بنية السوق.

المنتج: من الخوف إلى التوسع

منتج محلي—مزارع، صاحب ورشة، مصنع صغير—يعرف مشكلته جيدًا:
“أستطيع أن أُنتج… لكن لا أضمن البيع.”

في هذا النموذج، لا يحصل على قرض فقط، بل على شيء أهم:
سوق شبه مضمون.

اتفاقيات شراء، دعم في الوصول للتجار، وربما تحفيز للمستهلك.
هنا، الإنتاج يتوقف عن كونه مغامرة، ويصبح خطة قابلة للنمو.

المواطن: القوة الصامتة

المواطن لا يشتري بناءً على الخطاب السياسي.
هو يريد سعرًا مناسبًا وجودة مقبولة.

إذا أصبح المنتج المحلي أوفر—بفعل خصومات، أو برامج دفع ذكية، أو حوافز مباشرة—فإنه سيختاره دون تردد.

بهذا الشكل، لا نطلب منه أن “يقاوم”،
بل نجعله يتصرف بشكل طبيعي… يخدم نفسه ويخدم اقتصاده في نفس الوقت.

حتى المال نفسه يمكن أن يشتبك

أزمة الشيكل ليست مسألة تقنية فقط، بل دليل على خلل عميق:
نملك المال، لكن لا نتحكم بحركته.

بدل الاكتفاء بالشكوى، يمكن البدء بخطوات عملية:
أنظمة دفع رقمية، تشجيع التعامل بعملات بديلة في بعض القطاعات، إعادة تدوير السيولة داخل السوق المحلي.

ليست قفزة كبيرة، بل تعديل تدريجي في اتجاه المال.

كيف سيكون الرد الإسرائيلي؟

لن يكون مباشرًا في البداية.
الأرجح أنه سيمر بثلاث مراحل:

1- تجاهل محسوب طالما التأثير محدود

2- ثم احتواء ناعم عبر تسهيلات تبقي السوق مرتبطًا

3- وإذا بدأ التحول يصبح ملموسًا: ضغط غير مباشر—تعقيدات، إبطاء، أو إعادة إدخال وسطاء

لكن الخطر الأهم ليس في المنع،
بل في إعادة احتواء هذه المبادرات داخل نفس المنظومة التي نحاول الخروج منها.

أين تكمن اللحظة الفارقة؟

ليست في قرار واحد كبير،
بل في سلسلة قرارات صغيرة:

تاجر يغيّر مصدره

منتج يوسّع عمله

مواطن يختار بشكل مختلف

بنك يقرر أن يوجّه السوق، لا أن يموّله فقط
هذه ليست خطوات منفصلة، بل سلسلة تعيد تشكيل نفسها مع الوقت.

نقول :

فكرة بنك الخليل التجاري يمكن أن تمر كخبر اقتصادي عادي…
أو يمكن أن تكون بداية مسار مختلف.

الفرق ليس في حجم رأس المال،
بل في السؤال الذي يقود المشروع:

هل نريد بنكًا يموّل الواقع كما هو؟
أم أداة تساعدنا على تغييره؟

هذه ليست فكرة إضافية على الهامش… بل اختبار حقيقي:
إما أن نعيد تنظيم سوقنا بأيدينا،
أو سيُعاد تنظيمه لنا—كما كان دائمًا.

م. غسان جابر – قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.

زر الذهاب إلى الأعلى