دبلوماسية الحوار الصيني.. من بكين إلى صنعاء وعدن: قراءة بين السطور

أجنادين نيوز / ANN
بقلم: نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين “أصدقاء وحلفاء الصين
منذ أكتوبر 2014، وأنا أتابع عن كثب كيف تتحول القوى الكبرى من مجرد “شاهد على الأحداث” إلى “لاعب على الطاولة” اليمنية. لطالما كانت اليمن ساحة لتجارب الوساطات والحوارات الفاشلة: جنيف، الكويت، ستوكهولم، الرياض… كلها أسماء مدن استضافت حوارات يمنية-يمنية لكنها لم تستطع أن توقف الرصاص.
اليوم، وأنا أقرأ عن الاجتماع الأول لوزراء خارجية ودفاع الصين وكمبوديا في آلية “2+2″، وعن المبادئ الصينية القائمة على الحوار بدل المواجهة، أتساءل: ماذا لو طُبقت هذه الفلسفة على اليمن؟
أكتب هذه الكلمات من عدن، مدينة تعلّمت كيف تصرخ دون أن تُسمع وكيف تحلم دون أن تلمس السماء. أكتبها وعلى أطراف أصابعي غبار الحروب التي طالت أكثر مما ينبغي، وفي قلبي يقين مترع أن السلام لا يُصنع بالرصاص بل بالكلمة الطيبة والجلسة الصادقة والحوار الذي لا ينتظر أن تنتهي الخلافات ليبدأ بل يبدأ كي تنتهي الخلافات.
الحقيقة أن الصين التي تتحدث عن “مجتمع المصير المشترك” ليست غريبة على اليمن. بكين كانت طرفاً داعماً للحوار السعودي-الإيراني الذي أسفر عن استئناف العلاقات بين الرياض وطهران في مارس 2023. ذلك الحوار الذي احتضنته العاصمة الصينية كان له وقع زلزالي في اليمن، فجأة تحولت الهدنة إلى فترة أطول من الهدوء النسبي.
لم تكن الصين وسيطاً تقليدياً يأتي بشروط مسبقة، بل قدمت ما أسميه “غرفة حوار آمنة” بعيداً عن الأضواء والتصعيد الإعلامي، وهذا هو الدرس الأول: الحوار الناجح يحتاج إلى مضيف لا يملك أجندة خفية.
لكن بين السطور أقرأ شيئاً آخر. الصين عندما تتحدث عن “رفض التنمر الأحادي وسياسات القوة”، فإنها تصف واقعاً عاشته اليمن منذ سنوات. واشنطن تفرض عقوبات، وطهران تدعم أطرافاً، والرياض تتحرك ضمن تحالفاتها، وكل طرف بطريقته. في هذا المشهد تظهر الصين كطرف يطرح بديلاً: التنمية أولاً.
لم ترسل بكين جندياً واحداً إلى اليمن، لكنها شاركت في مشاريع تنموية وخدمية في بعض المناطق، وأبدت استعدادها للمساهمة في إعادة الإعمار. وهذا يتوافق مع مبدأ “الحوار الذي يتحول إلى خبز وماء” كما أراه في قراءتي للسياسة الصينية.
اليمنيون الذين أنهكتهم الحروب لا يبحثون عن حوار نظري بل عن نموذج ينتج حلولاً ملموسة. منتدى التعاون الصيني-الأفريقي ومبادرة الحزام والطريق يقدمان مثالاً على تحويل الحوار إلى مشاريع تنموية وبنى تحتية.
عدن مدينتي التي أعيش فيها تئن تحت وطأة انقطاع الكهرباء وانهيار العملة وتدهور الخدمات لكنها تملك ميناءً تاريخياً كان جزءاً من طريق الحرير البحري القديم ويمكن أن يعود اليوم ضمن مشاريع الربط الاقتصادي إذا توفرت الإرادة السياسية والأمنية.
التحدي الحقيقي في اليمن ليس فقط وقف الحرب بل إعادة بناء الثقة بين الأطراف، وهي الثقة التي تُعد أساس أي حل سياسي أو اقتصادي ومن دونها تبقى كل المبادرات مجرد محاولات مؤقتة.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى مقاربة مختلفة أقرب إلى “دبلوماسية الحوار التنموي” حيث يسبق الاقتصاد السياسة ويكون الإنسان في قلب أي تسوية.
ومن موقعنا في الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين “أصدقاء وحلفاء الصين” نؤمن بأن الإعلام يمكن أن يكون جسراً للتقارب لا أداة للصراع، وندعو إلى فتح مسارات حوار إعلامية بين اليمن والصين لتبادل الخبرات ونقل نماذج التنمية.
ما حدث في بكين بين السعودية وإيران وما يحدث في بنوم بنه بين الصين وكمبوديا يشير إلى أن هناك نموذجاً يتشكل بهدوء: دبلوماسية تقوم على التدرج وبناء الثقة لا على الضغط والمواجهة.
في الاخير أقول بثقة: اليمن لا يحتاج إلى المزيد من إدارة الصراع بل إلى شجاعة الانتقال إلى منطق مختلف، منطق يرى في الحوار بداية الطريق لا نهايته.
ومن عدن نفتح نافذة على الشرق لا لنقلد التجارب بل لنستلهم منها ما يمكن أن يصنع مستقبلاً أقل صخباً وأكثر استقراراً.
فالحوار في النهاية ليس خياراً سياسياً بل ضرورة تاريخية لا مهرب منها.



