الصين تعيد رسم التوازنات في الشرق الأوسط تحت ظلال الحرب

أجنادين نيوز / ANN

بقلم نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين اصدقاء وحلفاء الصين

في زمن لم تعد فيه الحروب استثناء بل قاعدة ولم تعد فيه التحالفات ثابتة بل متحركة، يقف الشرق الاوسط على مفترق طرق تاريخي، حيث تتداخل خطوط الصراع مع خرائط المصالح، وتتشكل ملامح نظام اقليمي جديد لم تتضح حدوده بعد. وفي قلب هذا التحول، تبرز الصين كلاعب صاعد لا يدخل بضجيج القوة، بل بثقل الاقتصاد وهدوء الدبلوماسية، حاملا معه مقاربة مختلفة تعيد طرح السؤال القديم بصيغة جديدة: من يملك اليوم القدرة على اعادة صياغة التوازنات في منطقة انهكتها الصراعات وفتحت ابوابها لكل الاحتمالات
لم يعد الشرق الاوسط، وفي القلب منه الخليج العربي، ذلك الاقليم الذي يمكن قراءته بمعادلات ثابتة او مراكز نفوذ واضحة، فالحروب الممتدة والنزاعات المتداخلة والتوترات الاقليمية اعادت تشكيل المشهد ليصبح اكثر تعقيدا، واكثر انفتاحا على احتمالات مفتوحة لا يحددها طرف واحد ولا مسار واحد. وفي ظل هذا الاضطراب، يبرز سؤال جوهري: من يعيد صياغة قواعد اللعبة في المنطقة
لعقود طويلة، مثلت الولايات المتحدة الامريكية مركز الثقل في ادارة التوازنات الاقليمية، بوصفها الضامن الامني والفاعل السياسي الابرز، غير ان التحولات الراهنة لا تشير الى غياب هذا الدور بقدر ما تعكس اعادة توزيع للنفوذ في عالم يتجه تدريجيا نحو تعدد الاقطاب، وصعود فاعلين جدد يمتلكون ادوات تأثير مختلفة
في هذا السياق، تبرز الصين كلاعب دولي يتقدم بهدوء، معتمدا على ادوات الاقتصاد والتنمية وبناء الشراكات طويلة المدى، بعيدا عن منطق التدخل العسكري او الاملاءات السياسية. هذا النموذج القائم على القوة الهادئة يجد مساحة متزايدة في بيئة اقليمية مرهقة بالصراعات تبحث عن مسارات اكثر استقرارا واقل تكلفة
ولم يعد الدور الصيني مقتصرا على الوساطة السياسية او الخطاب الدبلوماسي الهادئ، بل يتجه تدريجيا نحو بناء نفوذ مركب يقوم على تداخل الاقتصاد مع السياسة، في صيغة مختلفة عن النماذج التقليدية. فالصين لا تقدم نفسها كقوة امنية بديلة، بقدر ما تعمل على اعادة تشكيل بيئة المصالح عبر ادوات طويلة النفس، تبدأ من الاستثمار في البنية التحتية ولا تنتهي عند تأمين سلاسل الطاقة والتجارة
وفي هذا الاطار، يمكن قراءة التحرك الصيني في المنطقة كجزء من مشروع اوسع يعيد ربط الشرق الاوسط بالاقتصاد العالمي، من خلال مبادرات كبرى تعزز الاعتماد المتبادل، وتخلق شبكة مصالح تجعل من الاستقرار خيارا عقلانيا للدول المنخرطة فيها، وليس مجرد مطلب سياسي عابر
كما ان نجاح الصين في فتح قنوات تواصل بين اطراف متنافسة لا يعكس فقط حيادها الظاهري، بل يعكس قدرتها على بناء ثقة تدريجية قائمة على مبدأ عدم التدخل، وهو ما يمنحها مساحة حركة لا تتوفر لكثير من القوى التقليدية التي ترتبط بتاريخ من الصراعات والتحالفات المعقدة
ويأتي الحدث الابرز ليعزز هذا التحول، وهو نجاح الصين في رعاية التقارب بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الاسلامية الايرانية، وهو تطور لم يكن مجرد اتفاق ثنائي، بل اشارة الى دخول فاعل جديد الى مجال ادارة الازمات في منطقة اعتادت ان تكون الوساطات فيها حكرا على قوى تقليدية
ورغم الاحداث الاخيرة وتداعياتها على هذا الاتفاق، فان التقارب بين السعودية وايران ما زال قائما من حيث الاطار السياسي العام، وان كان يسير بوتيرة متذبذبة تتأثر بطبيعة التوترات الاقليمية المتجددة. فالاتفاق لم ينهَر، لكنه ايضا لم يتحول الى شراكة استراتيجية مكتملة، بل بقي ضمن مسار تهدئة تدريجي يخضع لاختبارات الواقع في اكثر من ساحة وملف اقليمي
وفي هذا السياق، يبرز الدور الصيني كداعم لاستمرار الحوار اكثر من كونه ضامنا امنيا مباشرا، ما يجعل هذا التقارب مشروعا سياسيا مستمرا لكنه غير نهائي، وقابلا للتقدم او التراجع بحسب تطورات البيئة الاقليمية
كما ان هذا الدور لا يسعى الى ازاحة القوى الاخرى بشكل مباشر، بل يعمل ضمن منطق التراكم الهادئ، حيث تتحول الصين من شريك اقتصادي الى وسيط سياسي، ثم الى فاعل مؤثر في صياغة التوازنات، دون الدخول في صدام مفتوح مع مراكز القوة القائمة
لكن السؤال الاعمق يبقى: هل يمثل هذا الدور الصيني بداية اعادة تشكيل حقيقية للتوازنات الاقليمية، ام انه انعكاس لمرحلة انتقالية في بنية النظام الدولي
ولا يمكن فصل هذا التحول عن واقع الحرب المستمرة في المنطقة، حيث تتعدد الجبهات وتتشابك الملفات، وتنعكس تداعيات الصراعات على الامن الاقليمي واسواق الطاقة والممرات البحرية واستقرار الدول. فالحرب لم تعد حدثا طارئا، بل اصبحت جزءا من البنية السياسية القائمة
وفي قلب هذه المعادلة، تظل ايران لاعبا محوريا تمتلك ادوات نفوذ تتجاوز حدودها الجغرافية، وتشكل احد اهم عناصر التوازن او التوتر في الاقليم، فيما تستمر علاقاتها مع دول الخليج بين التهدئة والتصعيد وفقا لتغير الظروف والملفات
اما دول الخليج، فهي تتحرك اليوم في بيئة شديدة التعقيد، تجمع بين ضرورات الامن وضغوط الاقتصاد وحسابات الاستقرار الاقليمي، ولذلك تتجه الى سياسة تنويع الشراكات بين تحالفات تقليدية مع الغرب، وانفتاح متزايد على الصين واسيا الصاعدة، في محاولة لصياغة توازن جديد يحمي مصالحها ويعزز استقرارها
ان المؤشرات الحالية توحي بان المنطقة تدخل مرحلة مختلفة، لم يعد فيها النفوذ حكرا على قوة واحدة، بل بات موزعا بين عدة اطراف، فيما تتجه الدول الاقليمية نحو منطق التعدد بدلا من الاصطفاف، غير ان هذا التحول لا يلغي حقيقة ان الحروب الجارية ما تزال العامل الاكثر تأثيرا في تعطيل اي استقرار دائم
ويبقى السؤال مفتوحا: هل تنجح القوى الصاعدة، وفي مقدمتها الصين، في تحويل هذا الحضور الهادئ الى دور مستدام في اعادة تشكيل التوازنات، ام ان الشرق الاوسط ما زال في بداية دورة صراع طويلة لم تحسم بعد

في الاخير ، يبدو ان الصين لا تدخل المنطقة كبديل جاهز، بل كقوة تعيد تعريف مفهوم التأثير نفسه، من القوة الصلبة الى الدبلوماسية الاقتصادية، ومن ادارة الصراع الى محاولة ضبطه، ومن الاصطفاف الى بناء المصالح المشتركة، في مشهد لا يزال مفتوحا على جميع الاحتمالات. كما انها لا تغير موازين القوى دفعة واحدة، بل تعيد تشكيلها ببطء، حتى تصبح جزءا من معادلة لا يمكن تجاوزها

زر الذهاب إلى الأعلى