إنصاف المفكر خارج منطق القطيع: فرقد الأغا نموذجاً

أجنادين نيوز / ANN

بقلم الكاتب
حكيم زغير الساعدي

في البيئات التي تضعف فيها حرية الفكر لا يكون الصراع حول الأفكار وحدها، بل حول حقّ الإنسان في التفكير ذاته. فحين تسود عقلية القطيع، تُقاس قيمة المفكر لا بعمق أطروحاته ولا بصلابة حججه، بل بمدى انسجامه مع سرديات الجماعة وهويتها. ومن يخرج عن هذا النسق يجد نفسه غالباً عرضةً للتجاهل أو التشويه أو الإقصاء، لا لأن فكره ضعيف، بل لأنه يوقظ الأسئلة التي تفضّل الجماعة إسكاتها.

في هذا السياق يمكن فهم ما يتعرض له المفكر التنويري فرقد الأغا من قدرٍ واضح من الإجحاف وقلة الإنصاف. فبدلاً من أن تُناقش أفكاره في فضاءٍ عقلاني قائم على الحجة والبرهان كثيراً ما تُقابل بردود فعل انفعالية أو تصنيفات جاهزة، وهي السمة ذاتها التي تطبع المشهد الفكري في مجتمعات يغلب عليها منطق الاصطفاف لا منطق الحوار.
إن المشكلة هنا لا تتعلق بشخصٍ بعينه بقدر ما تكشف خللاً أعمق في الثقافة الفكرية؛ إذ تتحول الأفكار الجديدة إلى تهديدٍ لهوية الجماعة، فيُدفع الوعي الجمعي إلى ثنائيةٍ قاسية، مؤيد أو عدو، تابع أو منحرف. وفي مثل هذا المناخ لا تُختبر الأطروحات بميزان العقل، بل بمدى توافقها مع قناعات القطيع. وهكذا يُحرم الفكر من شرطه الأساسي: حرية النقد والاختلاف.
إن إنصاف أي مفكر – وفرقد الأغا في مقدمتهم – لا يعني بالضرورة تبني آرائه أو التسليم بكل أطروحاته، بل يعني ببساطة إخضاع أفكاره لميزانٍ موضوعي. ما الذي يقوله؟ وما الذي يضيفه إلى الحوار المعرفي؟ فالفكر لا يتقدم بالتصفيق ولا بالشيطنة، بل بالنقد الرصين والحوار المفتوح.
ولعل المفارقة أن الأفكار التي تُقابل في زمنها بالرفض أو التهميش هي نفسها التي تتحول لاحقاً إلى محطاتٍ مفصلية في تطور الوعي. لذلك فإن إنصاف المفكر لا يكون استجابةً لعاطفةٍ أو انحياز، بل التزاماً بقيمةٍ أعمق: أن الحقيقة ليست ملكية جماعة، وأن العقل الحر لا يعيش في عالمٍ منغلقٍ على يقينٍ نهائي، بل في أفقٍ مفتوحٍ على السؤال والبحث.
ومن هنا يصبح الدفاع عن إنصاف المفكر دفاعاً عن مبدأٍ أكبر ( حق العقل في أن يفكر خارج أسوار القطيع بدون مصادرة حق الآخر ) .

زر الذهاب إلى الأعلى