غزة والمنطقة المنكوبة: حين يكشف الدمار فراغ السياسة

أجنادين نيوز / ANN

بقلم: المهندس غسان جابر

في بعض اللحظات التاريخية، لا تكشف الحروب حجم الدمار فقط، بل تكشف ما هو أخطر من الدمار نفسه.

وغزة اليوم واحدة من تلك اللحظات.

فأمامنا ثلاث وقائع تبدو منفصلة للوهلة الأولى، لكنها في الحقيقة ترتبط بخيط سياسي واحد.

الواقعة الأولى أن غزة تعرضت لواحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في تاريخها الحديث. آلاف الشهداء والجرحى، مدن وأحياء أُزيلت من الخريطة، مئات آلاف النازحين، وانهيار واسع طال كل تفاصيل الحياة.

الواقعة الثانية أن غزة، ورغم هذا الحجم غير المسبوق من الكارثة، لم تُعلن رسميًا منطقة منكوبة.

أما الواقعة الثالثة فهي ظهور مجلس سلام في غزة قبل أن ينجح الفلسطينيون في إنتاج توافق وطني جديد أو استعادة مرجعية سياسية جامعة تقود المرحلة المقبلة.

قد يختلف الناس حول تفسير كل واقعة من هذه الوقائع، لكن الصعب تجاهله أن بينها رابطًا واحدًا اسمه: الفراغ السياسي.

فإعلان منطقة ما منطقة منكوبة ليس مجرد إجراء إداري أو قانوني. إنه موقف سياسي وأخلاقي قبل أي شيء آخر. إنه اعتراف بحجم الكارثة ورسالة إلى العالم بأن ما جرى يتجاوز حدود الأزمة الإنسانية العادية ويستدعي مسؤولية استثنائية.

لذلك يحق لكل فلسطيني أن يتساءل:

إذا كانت غزة، بكل ما شهدته من قتل وتجويع وتهجير ودمار، لم تُعلن منطقة منكوبة، فما الذي يجب أن يحدث حتى نصل إلى هذه المرحلة؟

وهل المشكلة في عدم توفر التوصيف القانوني؟

أم في غياب القرار السياسي؟

أم في الخوف من الاستحقاقات التي قد يفرضها هذا الإعلان على المستوى الدولي؟

لكن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بالمنطقة المنكوبة وحدها، بل بما كشفته الحرب من حقائق سياسية مؤلمة.

لقد اعتدنا خلال السنوات الماضية على الحديث عن الانقسام الفلسطيني بوصفه مشكلة سياسية مزمنة، لكن ما جرى في غزة كشف أن القضية أصبحت أعمق من مجرد انقسام بين طرفين.

ما ظهر أمامنا هو أزمة تمثيل وغياب مرجعية وطنية جامعة قادرة على تحويل تضحيات الفلسطينيين إلى مشروع سياسي موحد.

فالفراغ السياسي لا ينشأ فجأة، ولا يولد من رحم الحرب وحدها.

إنه نتيجة سنوات طويلة من تعطيل الحياة الديمقراطية، وتآكل المؤسسات التمثيلية، واستمرار الانقسام، وغياب الانتخابات، وتراجع دور الأطر الوطنية الجامعة، حتى أصبح الفلسطيني يشعر أحيانًا أن مؤسساته السياسية تسير في اتجاه، بينما يسير المجتمع في اتجاه آخر.

الحرب لم تصنع هذا الفراغ.

الحرب كشفت هذا الفراغ.

كشفت أن الفلسطينيين ما زالوا يملكون شعبًا قادرًا على الصمود والتضحية، لكنهم لم ينجحوا بعد في إنتاج إطار وطني جامع يوازي حجم هذه التضحيات.

ومن هنا يمكن فهم ظهور مجلس السلام في غزة.

فالقضية ليست في المجلس ذاته، ولا في أعضائه، ولا في نوايا القائمين عليه.

القضية الحقيقية هي السؤال الذي يفرضه وجوده.

لماذا أصبح تشكيل جسم جديد أسهل من إعادة بناء المرجعية الوطنية؟

ولماذا أصبح الاتفاق على إدارة مرحلة ما بعد الحرب أكثر سهولة من الاتفاق على رؤية وطنية موحدة؟

ولماذا يبدو إنتاج اللجان والمجالس أسرع من إنتاج التوافق الوطني؟

إن المشكلة ليست في وجود مجلس سلام أو أي إطار جديد، بل في البيئة السياسية التي جعلت ظهوره ممكنًا.

فالفراغ في السياسة لا يبقى فارغًا.

عندما تتراجع المؤسسات الجامعة، تظهر البدائل.

وعندما تغيب المرجعية، تتكاثر الأجسام.

وعندما تتآكل الثقة، يبحث الناس عن عناوين جديدة مهما كانت مؤقتة.

لكن القضية الفلسطينية أكبر من أن تُدار بمنطق الأجسام المؤقتة.

وأكبر من أن تُختزل في إدارة الإغاثة أو إعادة الإعمار أو تنظيم الحياة اليومية تحت وطأة الكارثة.

القضية الفلسطينية كانت وما زالت قضية شعب يناضل من أجل الحرية والكرامة وتقرير المصير.

ولهذا فإن إعادة إعمار غزة يجب أن تترافق مع إعادة إعمار السياسة الفلسطينية نفسها.

فالبيوت يمكن إعادة بنائها.

والشوارع يمكن إصلاحها.

والمؤسسات يمكن ترميمها.

أما الفراغ السياسي، إذا استمر، فسيعيد إنتاج الأزمات مهما تبدلت الأسماء والعناوين.

لقد كشفت غزة للعالم حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون.

لكنها كشفت للفلسطينيين شيئًا آخر لا يقل خطورة:

كشفت حجم الفراغ الذي تركناه يتسع في بيتنا السياسي عامًا بعد عام حتى أصبح أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.

وربما لهذا السبب لا يجب أن يكون السؤال الأهم اليوم هو مستقبل مجلس السلام، ولا شكل الإدارة القادمة، ولا أسماء الأشخاص الذين سيتولون المناصب.

السؤال الأهم، والأكثر إلحاحًا، والأكثر إزعاجًا للجميع هو:

هل أصبح الفلسطينيون قادرين على إنتاج أجسام جديدة، لكنهم عاجزون عن إنتاج مرجعية وطنية جامعة؟

وإذا كانت الإجابة نعم، فإن المشكلة لم تعد في المجلس، ولا في المنطقة المنكوبة، ولا حتى في تداعيات الحرب وحدها.

بل في مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني نفسه.

م. غسان جابر – القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.

زر الذهاب إلى الأعلى