لماذا لا يتعاطف المرء مع دول الخليج؟..أليسوا عربًا، وأقرب إلينا من الإيراني؟..ما يمكن فعلًا إيران ظالمة، والخليج ضحية؟..

اجنادين نيوز / ANN

✍️عبدو فايد / القاهرة

هل تعرف بندر بن سلطان؟..أشهر من نار على علم..كان سفير السعودية التاريخي في الولايات المتحدة لربع قرن، وابنته ريما حاليًا تشغل نفس المنصب، وبالمناسبة كان أحد أبرز المتورطين في فضيحة اليمامة، وهي صفقة سلاح سعودية-بريطانية، حصل فيها بندر على عمولة قدرها ملياري سترليني..المهم..هناك كتاب سيرة ذتية يروي حكايته، كتاب شهير جدًا، واسمه “الأمير: القصة السرية للأمير الأكثر اهتمامًا في العالم”..في أحد فصوله عن حرب الكويت، كان بندر يروي واقعة مهمة جدًا..إن جورج بوش أراد إرسالة خطاب لصدام حسين لحثّه على الانسحاب من الكويت قبل بدء الهجوم على قواته..بندر كان متضايق جدًا، خاف أن ينسحب صدام، فيخرج العراق بكامل قوته العسكرية من الحرب دون ضرر..أخذ بندر خطاب بوش وترجمه بنفسه للعربية، وكان حريصًا أن تكون الترجمة هجومية وحادة، حتى يرفضها صدام لاعتبارات الكرامة الشخصية.. وفعلاً رفض طارق عزيز حتى استلامها..وشعر بندر بأكبر انتصار في حياته حينذاك..تخيّل الانحطاط؟.

ليس هذا فحسب..بندر أخذ الترجمة العربية وأرسلها لأندرو نيل مراسل صحيفة صنداي تليجراف، وطلب منه نشرها على صدر الصحيفة..حتى تكون إهانة صدام علنية ويقطع عليه طريق الانسحاب..الفكرة نفسها شيطانية..حتى الحلول السلمية آل سعود كان يرفضونها..وضعوا هدف واحد فقط..هو إخراج العراق من الكويت بالقوة فقط، ثم محوه من على الخريطة..وأي حل وسط كان مرفوضًا..جيمس بيكر وزير الخارجية الأميركي كتب نصًا في ملاحظاته المدونة عن الحرب قائلًا على لسان بندر..‘‘إذا وقع اشتباك عسكري، فيجب أن يكون كاملًا وشاملًا..إننا نشعر بالقلق من وصول الحرب لنقطة التعادل بين الأميركيين والعراقيين‘‘..هذه هي السعودية..تدفع مقابل السحق المطلق، تختبيء خلف مدافع الأميركيين، ولا تمتلك الجرأة لما هو أكبر من ذلك..

إيران شيعة والخليج سنة..ولا بد أن نؤيد السني ولو تغطّى بالأميركي على الشيعي ولو رفع سلاحه في وجه قوى الاستكبار..تمام..دعني فقط أروي لك حكاية محزنة جدًا تبيّن لك مدى استغفال قوى الخليج للمشاهد العربي الموتور..في نفس الكتاب وتحديدًا ص 275..السعودية قلعة السنة هي من طلبت من الولايات المتحدة دعم انتفاضة شيعية ضد صدام، وأصرّت الرياض على أن شيعة بغداد مختلفون عن شيعة طهران، ولن يعادوا المصالح الأميركية..لكن البيت الأبيض رفض الاقتراح..تخيّل كم يلعب بعقلك الساسة وهم يجيشون عواطفك بدوافع مذهبية تحت راية الحرمين..وفي نفس الوقت هم من كانوا يدفعون الأميركيين لتشجيع شيعة العراق على الانتفاض..لكن أميركا كانت تشك في ولاءات الرموز الشيعية لها، فاختارت دعم الأكراد في انتفاضاتهم الشهيرة عام 1991 ضد النظام العراقي..لماذا تحكي هذه القصة؟..لأنها السياسة ولأنه الحقد السعودي التاريخي..ولأنهم كما يتآمرون على إيران اليوم، فقد تآمروا على العراق من قبل..يقفون ضد السنة وضد الشيعة على السواء، لأن الخليج باختصار يكره كل قوة في المنطقة يُمكن أن تكون تحديًا لعروشهم المبنية على العمالة..

تخيّل..حتى الحقد السعودي على العراقيين تواصل أثناء الانسحاب وحرضوا الجنرال شوارتزكوف على قصف القوات العراقية المنسحبة على طريق البصرة..لقى عشرين ألف عراقي حتفهم وقد انصهروا على الدبابات..هناك صورة شهيرة يُمكنك البحث عنها على الإنترنت، وهي لجندي عراقي التصق جلده بعظامه بعد أن شوي لحمه بالنابالم الأميركي وهو يحاول الخروج من مدرعته..هذه الصورة التقطها كينيث جاريك مراسل أسوشيتيد برس ورفضت كل صحف العالم نشرها، حتى لا يتعاطف أحد مع العراقيين..ربما أن تقول أن صدام كان يستحق الغضب السعودي..لا بأس..لكن ماذا عن نصف مليون طفل عراقي لقوا حتفهم أثناء الحصار الأميركي والذي طبقته دول الخليج على الشعب العراقي..نصف مليون تباهت وزير الخارجية الأميركية بوفاتهم وقالت نصًا في حديث لبرنامج ستين دقيقة أنهم خسارة مقبولة..سني يشارك في حصار سني ولم نسمع للمنبطحين صوتًا..وللسخرية السوداء..يتكرر نفس الأمر حينما يعتبر أحد أكبر مؤيدي ترامب في حملاته الانتخابية، أن وفاة فتيات إيران أفضل لهم من ارتداء الحجاب..لم يتغير شيء في العنجهية الأميركية ولا الخسة الخليجية..

لما نكره دول الخليج؟..لأن تاريخها بالكامل مبني على الغدر والخيانة..بالسنة والشيعة وبأي شخص كان..فقط خُدام مخلصين للاستعمار، منذ تأسيسهم..وفوق ذلك جبن وخسّة غير معهودة في أي تكوين بشري في العالم..يا أخي..عدد سكانهم قرابة 45 مليون نسمة، ولم ينجحوا في إقامة صناعة ولا إنتاج سلاح، وذهبوا للاستنجاد بالأميركي..قرابة عشر قواعد عسكرية يخدم بها 50 ألف من المارينز، وسلاحهم بالكامل مصوّب ضد المنطقة..اليوم أنت تأمن الخليجي..لكن في القريب ستكون دولتك على قائمة الأهداف لو فتحت فمها بحرف أمام الأميركيين أو فكّرت في حيازة سلاح نوعي أو خرجت عن طوع أولي الأمر والنهي في قصر اليمامة..والحديث هنا حصرًا عن مصر وقطاع من المصريين ينسى التاريخ ويعتقد أن ما بيننا وبينهم صداقة..لأ..هي علاقة استئجار للموقع المصري بمليارات من المساعدات، حتى يتجنبوا دخول أكبر قوة بشرية وعسكرية في أي سردية مضادة لهم..وبعد مصر سيأتي دور تركيا..التي يعلم الكل أنها إلى جوار مصر آخر من تبقّى من قوى المنطقة الحقيقية، وأنهما وحدهما قادرون على تحريك الشرق الأوسط بأكلمه..

لماذا نحتقر ممالكهم؟..لأنه قبل سبعة أشهر فقط عُرض عليهم معاهدة دفاع عربي مشترك، وتدشين جيش عربي موحد، وهي المرة الألف بعد المليون..لكنهم يخافون جدًا من العربي، ويفضلون الحماية الأميركية..العربي بالنسبة لهم منافس محتمل، وشريك غير موثوق..لكن الأميركي عادي يسلموه رقاب أوطانهم ويصرفوا كل أموالهم عليه..سلاحًا واستثمارًا واستيرادًا..وتخيّل فقط يا أخي..بدل الاستنجاد بالغرب، تخيّل ماذا كانت كل تلك الأموال لتفعل لو ضخّت في مشاريع تعاون دفاعي عربي..تخيّل ماذا لو تريليون واحد مُهدى لترامب كان تم استثماره في بناء جيوش عربية على امتداد 14 مليون كم مربع هي إجمالي مساحة الوطن العربي والتي تفوق مساحة أميركا بأكلمها؟..تخيّل الفرص الضائعة؟..وليتهم حتى كفونا شرورهم..

تلوم إيران على قصف قواعد الاستعمار؟..يا أخي ذاق العرب على يد الخليجيين أكثر مما ذاقوه على يد إيران لو أنت من أنصار تلك السردية..من شرّد ملايين اليمنيين وأصاب 1.1 مليون منهم بالكوليرا؟..9 سنوات من القصف السعودي-الإماراتي..من كان منذ أشهر بسيطة يخوض صراعًا على لحم اليمن وأرضه؟..الإمارات والسعودية..من يذيق السودان ويلات الانقسام مع 17 مليون نازح ومشرد و 130 ألف ضحية؟..الإمارات..من ذا الذي يحاول حتى التدخل في الجزائر وإشاعة الفوضى فيه؟..الإمارات..من يحاول الاستيلاء على موانيء البحر الأحمر وإعطائها للعدو العبري وآخرها في أرض الصومال؟..الإمارات..من الذين خاضوا صراعات مريرة وحاصروا بعضهم بعضًا غير السعودية والإمارات والبحرين وقطر ومصر؟..ومن في رقبته ألوف ألوف المعتقلين غير السعودية والإمارات؟..فعل الخليج بالسنة ما تعجز الشياطين عن تصوّره، وما يزالون..ثم تدعوني للوقوف معهم في قصف منشآت الأميركيين على أراضيهم؟..

لا والله..بحق كل طفل عراقي قضى في حصاره، وبحق كل سودانية عُلقّت على جذور الأشجار، وبحق كل يمني نُحل جسده من الجوع، وبحق كل فرد في القطاع فقد عزيزًا، وبحق كل ليبي تشظى وطنه من الانقسام، وبحق كل أم مكلومة انفطر فؤادها على أولادها في غياهب السجون، وبحق كل صاروخ أميركي استهدف مدرسة للبنات في إيران، وبحق ألوف الغزاة المنعمين على أراضي شهدت مهبط الوحي بما عزّ على أهالينا إطعامه لأولادهم..بحقهم جميعًا..لا أتمنى إلا أن يذوق الخليج جزءً مما ذاقه العرب، ولن يكفي..أن يكابدوا الخوف ولن يشفي..ألا يروا الطمأنينة لشهور ولن يوفي..لم يُغرس في كيان العرب أحط من الأنظمة الرجعية في الخليج..ولولا وجودهم..لما كان للعدو شأنًا، وما رُفعت لقوى الشر راية.

زر الذهاب إلى الأعلى