الصين وفلسطين… والهند بين المبدأ والمصلحة: قراءة في تحولات الموقف الدولي ومعركة النفوذ في الشرق الأوسط

أجنادين نيوز / ANN
بقلم: المهندس غسان جابر

في السياسة الدولية، لا تُقاس المواقف بما يُقال في البيانات الرسمية، بل بما يُترجم إلى سياسات مستمرة، وخيارات استراتيجية، وتوازنات قوة. وخلال الأشهر الستة الماضية، من نهاية عام 2025 حتى فبراير 2026، برز تمايز واضح بين موقفين آسيويين كبيرين تجاه القضية الفلسطينية: موقف حازم ومتسق من الصين، وموقف براغماتي متوازن ظاهريًا من الهند يميل في جوهره إلى الحفاظ على شراكة استراتيجية عميقة مع إسرائيل.

وهذا التباين ليس تفصيلًا دبلوماسيًا عابرًا، بل يعكس إعادة تشكيل أوسع في موازين النفوذ الدولي، وفي طبيعة التحالفات، وفي طريقة تعامل القوى الصاعدة مع واحدة من أكثر قضايا العالم حساسية وتعقيدًا.

الصين: خطاب ثابت واستراتيجية طويلة النفس

منذ اندلاع الحرب الأخيرة على غزة، حرصت بكين على تثبيت خطاب سياسي واضح المعالم: وقف فوري وشامل لإطلاق النار، حماية المدنيين، رفض التهجير، والعودة إلى حل الدولتين على حدود عام 1967 مع القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية.

لكن أهمية الموقف الصيني لا تكمن فقط في صياغة البيانات، بل في منهجية التعامل مع الصراع بوصفه قضية بنيوية في النظام الإقليمي، لا أزمة طارئة يمكن إدارتها مؤقتًا. فالصين لا تتعامل مع الملف الفلسطيني كملف إنساني فقط، بل كقضية استقرار دولي وشرعية قانونية ومبدأ سيادة الشعوب.

ومن هنا جاءت محاولاتها المتكررة لتقديم نفسها كوسيط داعم للمبادرات الإقليمية، وخاصة المبادرات العربية، مع توظيف أدواتها الاقتصادية والدبلوماسية لتعزيز هذا الدور. المساعدات المالية والإنسانية، والمواقف المتكررة داخل الأمم المتحدة، والتأكيد المستمر على “حكم الفلسطينيين لفلسطين”، كلها عناصر تشكل منظومة متكاملة وليست مجرد مواقف رمزية.

والأهم من ذلك أن هذا الموقف لم يظهر فجأة، بل يمثل امتدادًا لسياسة صينية طويلة الأمد ترى في دعم القضية الفلسطينية جزءًا من رؤيتها الأوسع لعالم متعدد الأقطاب، تُعاد فيه صياغة قواعد الشرعية الدولية بعيدًا عن الهيمنة الأحادية.

الهند: من الإرث التاريخي إلى الواقعية الاستراتيجية

على النقيض من الثبات الصيني، يبدو الموقف الهندي أقرب إلى معادلة دقيقة بين الخطاب والمصلحة. فالهند ما زالت تؤكد رسميًا دعمها لحل الدولتين وحق الفلسطينيين في دولة مستقلة، لكنها تربط ذلك دائمًا بمسار تفاوضي، وليس بتنفيذ مباشر لقرارات الشرعية الدولية.

هذا التوازن الظاهري يخفي تحوّلًا عميقًا بدأ منذ التسعينيات، وتسارع بقوة بعد وصول ناريندرا مودي إلى السلطة عام 2014.

فالهند اليوم تنظر إلى إسرائيل بوصفها شريكًا أمنيًا وتكنولوجيًا بالغ الأهمية. التعاون العسكري، وصفقات التسليح، وتكنولوجيا المراقبة، وأنظمة الدفاع الصاروخي، كلها عناصر جعلت العلاقة بين البلدين ذات طابع استراتيجي لا يمكن للهند التضحية به بسهولة.

وليس العامل الأمني وحده ما يفسر هذا التحول. فالتجارة الثنائية المتنامية، والاستثمارات التكنولوجية، والتعاون الزراعي والصناعي، كلها عززت منطق “المنفعة المتبادلة”. ومع تراجع حساسية البيئة الإقليمية تجاه العلاقات مع إسرائيل، خاصة بعد موجة التطبيع العربي، وجدت نيودلهي هامشًا أوسع للمناورة دون خوف من كلفة سياسية كبرى.

إلى جانب ذلك، لعب العامل الأيديولوجي دورًا مهمًا. فصعود القومية الهندوسية، وتراجع التيار النهروي التقليدي الداعم تاريخيًا لحركات التحرر، أسهما في إعادة تعريف المصالح الهندية في الشرق الأوسط على أساس أمني وبراغماتي، لا على أساس تضامن تاريخي مع الشعوب المستعمرة.

بين الثبات الصيني والتوازن الهندي

عند المقارنة بين الموقفين، يتضح أن الصين تتعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها مسألة مبدأ واستقرار دولي، بينما تتعامل معها الهند بوصفها ملفًا يجب إدارته دون الإضرار بعلاقاتها الاستراتيجية.

الصين تستخدم خطابًا واضحًا وحازمًا، وتقدم نفسها كقوة دولية داعمة للتسوية العادلة. أما الهند فتتبنى خطابًا دبلوماسيًا محسوبًا يسمح لها بالحفاظ على علاقاتها مع جميع الأطراف، حتى لو أدى ذلك إلى تآكل تدريجي في وزنها السياسي التقليدي كداعم لحركات التحرر.

هذا لا يعني أن الهند تخلت عن الفلسطينيين، لكنها أعادت ترتيب أولوياتها. فالأمن القومي، والتكنولوجيا العسكرية، والاستقلال الاستراتيجي، أصبحت عوامل أكثر تأثيرًا من الإرث التاريخي أو الاعتبارات الأخلاقية.

لماذا تصبح العلاقة مع الصين أولوية فلسطينية؟

في ضوء هذه المعادلة، يبرز سؤال استراتيجي بالغ الأهمية: كيف ينبغي للفلسطينيين التعامل مع هذا التحول في موازين المواقف الدولية؟

الجواب لا يكمن في المقارنة فقط، بل في الاستثمار السياسي.

فالصين اليوم ليست مجرد قوة اقتصادية صاعدة، بل لاعب سياسي يسعى إلى إعادة تشكيل النظام الدولي. ودعمها للقضية الفلسطينية يمنحها ورقة أخلاقية وسياسية في العالم العربي والإسلامي، كما يمنح الفلسطينيين نافذة دبلوماسية مهمة في توازن القوى العالمي.

تطوير العلاقة مع الصين لا يعني الانحياز لمحور دولي ضد آخر، بل يعني تنويع مصادر الدعم، وتوسيع الهامش السياسي، والاستفادة من التحولات الكبرى في بنية النظام العالمي.

فالعلاقات الدولية لا تُبنى على التعاطف وحده، بل على المصالح المتبادلة. وإذا كانت الصين ترى في دعم فلسطين عنصرًا من رؤيتها لعالم أكثر توازنًا، فإن على الفلسطينيين أن يروا في الصين شريكًا استراتيجيًا طويل الأمد، لا مجرد داعم ظرفي.

السياسة الدولية لا تعرف الفراغ

التاريخ يعلمنا أن الفراغ في السياسة الدولية لا يدوم. فإذا لم تُبْنَ العلاقات الاستراتيجية بوعي، فإنها تُترك لتتشكل وفق مصالح الآخرين.

اليوم، تقف القضية الفلسطينية عند تقاطع تحولات عالمية كبرى: صعود قوى جديدة، إعادة تشكيل التحالفات، تراجع اليقينيات القديمة، وتزايد الصراع على النفوذ في الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، يبدو أن الصين تقدم نموذجًا لدعم مستقر ومتماسك، بينما تقدم الهند نموذجًا للدبلوماسية الواقعية التي توازن بين المبادئ والمصالح.

لكن الأهم من المقارنة هو الإدراك بأن مستقبل القضية الفلسطينية لن يتحدد فقط في ميادين الصراع، بل أيضًا في خرائط العلاقات الدولية، وفي القدرة على قراءة التحولات الكبرى، وتحويلها إلى فرص استراتيجية.

وهذه هي المعركة التي لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى.

م. غسان جابر – قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى