مجزرة عيد الفطر المبارك

اجنادين نيوز / ANN

المؤرخ ازهر العبيدي

كنت برتبة مقدم ركن وبمنصب مقدم لواء المشاة 28 وفي صباح يوم 21 تموز 1982 صدر الأمر إلى لوائنا وكان آمره العقيد الركن عدنان محمد وجدي الشربتي باستطلاع قاطع لمع30 بين خطي التشميل 95 و 99 في قاطع شرق البصرة لغرض تبديله، على أن يتم الاستطلاع والتبديل وينسحب لمع30 في اليوم نفسه. فتحركنا للاستطلاع ووصلنا مقر اللواء 30 حيث كان آمر اللواء العقيد الركن سلمان حامد عبدالله ابن دورتي في الأركان، فاستقبلنا وهو تحت دبابة القيادة، وجرى استطلاع القاطع وتوزيعه على الوحدات التي شرعت بالتنقل لاحتلاله وتبديل لمع30 في اليوم نفسه على عجل وبتوقيتات سريعة انسحب لمع30 بعدها دون المبيت معنا ليلة واحدة.
وكان الموضع عبارة عن حفر للدبابات فقط في العراء، ولا يتيسر أي ملجأ أو خندق للأشخاص أو ستر للرأس، وتبعد الحافة الأمامية عن العدو مسافة 500 ـ 1000 متر وبدون موانع من الأسلاك أو الألغام. وهكذا وضعت الفرقة اللواء مصدّات بشرية للعدو وسحبت الدرع إلى الخلف في مكان آمن.
أفرز الفوج الثالث لوائنا بإمرة لمع42 المجاور لنا في الجناح الأيسر وكان أوفر حظاً منا، وأَفرز لمع42 كتيبة دبابات يافا بإمرتنا. وتقرر احتلال الموضع بفوجين في الأمام الأول في اليمين والثاني في اليسار، وكتيبة الدبابات في المركز خلف الأفواج بمسافة 2 كم، ومقر اللواء خلف الكتيبة بمسافة2 كمأيضاً.
اكتمل استلام الموضع من لمع30 بالساعة 1800 يوم 21 تموز 1982، وكان على جناحنا الأيمن لواء المشاة 18 بإمرة العقيد الركن فاروق محمد حمادي، والجناح الأيسر لمع 42 بإمرة العقيد الركن أياد فتيح خليفة، وانسحب لمع30 تحت رصد العدو ونيرانه الكثيفة. وبدأنا على الفور في حفر خنادق الأشخاص للوقاية من القصف المعادي كأسبقية أولى على أن يتم بعدها إنشاء الملاجئ وبقية الأعمال.
في الساعة 2000 زارنا قائد الفرقة المدرعة السادسة العميد الركن محمود شكر شاهين وبصحبته العميد الركن ضياء توفيق قائد الفرقة الثامنة الجديد الذي وصل مع الفرقة لاستلام القاطع، وأخبرونا بضرورة إكمال الاستحضارات لاحتمال هجوم العدو هذه الليلة، وشاهدوا وضع اللواء في العراء ولم يتّخذوا أيّ إجراء فقد كانت الغاية تخليص الدبابات من التدمير.
كان اليوم آخر أيام شهر رمضان المبارك وتناولنا طعام الإفطار مع عدد من الضباط الذين جعلوا ضيفاً على اللواء لمعالجة المتسربين بإمرة الرائد هشام الوادي من مديرية إدارة الضباط. وكانت هذه الزمر المخصصة لمكافحة التسرب (التسرب: مصطلح محسّن أطلق على عملية الهروب الجماعي للقطعات خلال المعارك الشديدة للنجاة من الموت المحقق، ويعود المتسربون إلى وحداتهم بعد انتهاء المعركة إن لم تقبض عليهم مفارز مكافحة المتسربين) كانت قد شكلت حديثاً من الضباط الحزبيين بعد تزايد نسبة التسرب في الوحدات أخيراً لمعالجة المتسربين، ويعاونهم ضباط من التنظيم الحزبي والانضباط العسكري.
أنهينا تناول الإفطار بالساعة 2100 حيث وردتنا تذكرة من قائد فق مع6 تشير إلى ورود معلومات عن احتمال هجوم العدو خلال (48) ساعة على قطعاتنا، فأخبرتُ الوحدات على الفور باللاسلكي والسلكي، ودخلتْ قطعاتنا بالإنذار الشديد مع استمرار أعمال حفر الخنادق.
بالساعة 2200 شرع العدو بالتعرض على نطاق واسع شمل جبهة لوائنا برتل باتجاه الفوج الأول الأيمن والحدود الفاصلة مع لواء 18 بعد قصف مركّز بالمدفعية، وكان التعرض بأعداد كبيرة من حرس خميني والعجلات الخفيفة تعقّبهم الدبابات، ومن المؤكد أنّ العدو قد سلك الاتجاه الذي يخلو من الرمي الكثيف للدروع. واستطاع العدو الحصول على موطئ قدم في مواضع الفوج الأول لوائنا، وجرى الاشتباك ضمن مواضع الفوج (كانت القطعات المدرعة ترمي مكثفاً مختلف الأعتدة ليلاً لمنع العدو من الهجوم ويسمّون هذه العملية (منقل فحم) بصرف كميات كبيرة من مختلف الأعتدة الخفيفة والثقيلة دون مراعاة لندرة هذا العتاد وصعوبة استيراده وشرائه بالعملة الصعبة).
انقطعت الاتصالات السلكية نتيجة القصف المعادي الكثيف، فاتّصلتُ بالجهاز اللاسلكي مع الفوج الأول وطلبتُ منهم استدعاء آمر الفوج المقدم محمود معروف، لكنّ عامل الجهاز ذهب ولم يعد وانقطع الاتصال مع الفوج نهائياً. وعلمتُ فيما بعد أنّ المخابر ذهب ليستدعي آمر الفوج ولكنّه فقد في اللحظات الأولى للهجوم، ويحتمل أنه أسر أو ذهب باتجاه العدو إذ عثر مراتب الفوج على عصاه في الأرض الحرام، ولم يُعثر على جثته أو يُسمع اسمه ضمن الأسرى. وانسحبت سرية الدبابات الملحقة بإمرة الفوج، واستشهد وجرح معظم الضباط وفقدت السيطرة وسقطت مواضع الفوج كافة.
أما الفوج الثاني فقد صمد في مواضعه على الرغم من انسحاب سرية الدبابات الملحقة بإمرته، وصدّ هجوم العدو ومنعه من النفوذ إلى مواضعه، وطلب آمر الفوج تعزيزه بالدبابات فأوعزنا إلى آمر كتيبة الدبابات بإصدار الأمر إلى السرية بالعودة فوراً إلى مواضعها. وسقط أخي الملازم خيرالدين جريحاً عندما كان يقاتل ببندقيته أرتال العدو المتقدمة، وكانت إصابته شديدة من صاروخ قاذفة في صدره وأخلي إلى الخلف وسط الارتباك.
انقطع الاتصال نهائياً مع الفوج الأول منذ الدقائق الأولى للهجوم، واستمر الاتصال مع الفوج الثاني وكتيبة دبابات يافا باللاسلكي، وكنتُ أتناوب في استخدام جهاز الفرقة وجهاز اللواء مع آمر اللواء لإعطاء الفرقة الموقف، ولمتابعة الفوج الثاني وحثّه على الصمود والقتال دون أن نفكّر بالانسحاب. وتم الإيعاز إلى كتيبة دبابات يافا بمسك خط صدّ خلف الفوجين لمنع العدو من الخرق، ولكنّ الكتيبة انسحبت دون علمنا نحو موضع لوائها لمع42 فسمحت للعدو بخرق الموضع والاتجاه إلى مقر اللواء.
عَقّبَ العدو المتسربين من الفوج الأول باتجاه مقر اللواء، واشتدّ القصف المدفعي على مقرّنا وأخذ يتساقط كالمطر، فانبطحتُ على الأرض مع آمر اللواء وحاكيات الجهاز اللاسلكي في أذني، وانقطعت أسلاك وحدات السيطرة البعيدة التي تربطنا مع الأجهزة اللاسلكية التي وضعت بعيداً عنّا لتجنب الإستمكان والقصف، وكان أحد المخابرين الأبطال يقوم بتصليحها على الرغم من القصف الشديد واستشهد وهو يقوم بعمله البطولي. وظهر التشويش المعادي على الأجهزة اللاسلكية مؤثراً.
أخذت أصوات العتاد الخفيف وصواريخ القاذفات تقترب من مقر اللواء وشعرنا بأنها أصبحت على مسافة (500) متر، وسمعنا أصوات أفراد العدو يهتفون وكأنهم في مظاهرة مجنونة: (الله أكبِر … الله أكبِر) بكسر الباء. ثم أصبح الرمي خلفنا واتجه إلينا رمي القاذفات بخطوط حمراء وزرقاء والعتاد المذنب، وكان الوقت بالساعة 2330 وجرى الاشتباك بالسلاح الخفيف وشعرت بأن العدو قد طوّق مقرنا.
طلبتُ من آمر اللواء إخبار الفرقة بتطويق مقر اللواء، وأنّ رمي القاذفات أصبح مؤثراً على المقر فأخبرهم بذلك، ولم يصدر منهم أي رد فعل هل ننسحب ؟ هل نصمد حتى الموت ؟ هل نقاتل تراجعياً كما فعل غيرنا بدون إشعار الفرقة ؟ لم يترك لنا العدو فرصة اتخاذ قرار الانسحاب فقد ضيّق علينا الخناق بسرعة، وأخذت تقترب منّا دروع معادية وفتحت نيران رشاشاتها علينا، فساد الهرج والمرج والارتباك ضمن الموضع وشعرتُ بناقلة أشخاص مدرعة تتجه بسرعة نحوي فابتعدتُ عنها، وعلمتُ أنها ناقلة آمر كتيبة المدفعية الذي ترك الموضع هارباً كما اعتاد هو وغيره من المزمنين في القاطع.
استمر الاشتباك مع العدو ولم نعد نميز بين الصديق والعدو وكان القصف المدفعي للعدو ونار الانقاذ لمدفعيتنا يصب علينا في آن واحد، وفي هذه الأثناء أصبتُ بشظية في أسفل الفك الأيسر وأخذ الدم ينزف على ملابسي فوضعت منديلي على الجرح ومسكته بيدي. وضيّق العدو علينا الخناق عندما شعرتُ بيد تسحبني من كتفي، ولمّا ميّزتُ صاحب اليد على ضوء وميض الأسلحة وقنابل التنوير كان الانضباط (زيدان خضر) الطيب، وهو يقول لي: (يلّلا سيدي أخليكْ ترى انتهينا).
نظرتُ حولي لأتبيّن مصير آمر اللواء وأنا أقول له: (دقيقة أبويه خلّي نشوف آمر اللواء)، ولكنّ العدو لم يمهلنا وفتحت نيران القاذفات علينا بصوتها الثاقب للسمع، فركضتُ وزيدان يمسك بي باتجاه معاكس للنيران المعادية وراحتْ نيران الأسلحة الخفيفة تعقّبنا. وفي الطريق لاحظتُ وجود الملازم محمد آمر الفصيل الكيمياوي الشاب الصغير السن منهاراً على الأرض، فسحبته من يده وأنا أقول له بدون وعي: (يالله أبويه محمد … ياالله قول ياالله الله ويانا لا تخاف)، وركض معنا محمد وعدد من الجنود الناجين.
واستمرينا في الركض والرصاص يلاحق أشباحنا وسط الظلام حتى ابتعدنا عن مقر اللواء، فشاهدنا على بعد دبابة لم نعرف عائديتها فتوقفنا وانبطحنا على الأرض فربما هي معادية، فسمعنا بعد أن اقتربت أصوات الجنود يتكلّمون بالعربية بارتباك واضح فاتجهنا نحوهم، وبعد أن عرّفناهم على أنفسنا سألتهم عن وحدتهم! فأجابوا أنهم من كتيبة دبابات يافا، فأخذتُ أصيح عليهم وأوبّخهم لانسحابهم بدون أمر منّا. وطلبتُ منهم إيصالي إلى أقرب موقع إسعاف ثم إعادتي إلى منطقة المعركة، وارتبك السائق من طلبي وسط الظلام واصطدم بثاية عالية من التراب، وتساقط المراتب من فوق الدبابة وضربني المدفع في رأسي مما زاد من اصابتي وبعد جهد شديد وصلنا إلى بحيرة الأسماك وجسر كتيبان.
والتقيتُ هناك بضباط اللواء الخامس الذي كان يتنقل لنجدة الموقف فأركبوني في عجلة سانتانا جيب إلى وحدة الميدان الطبية، وفي الطريق أوقفتنا مفارز مكافحة المتسربين وسجّلوا أسماءنا لديهم. ومن هناك أخليتُ بعد خياطة الجرح إلى مستشفى البصرة العسكري وأدخلتُ ردهة الضباط. والتقيت هناك بالرائد ناجي عبدالأمير وكيل آمر الفوج الثاني الذي أصيب أيضاً وتسرب فوجه، وطمأنني على صحة أخي خيرالدين وأنه أخلي. ونمتُ لعدة ساعات بعد أن اغتسلتُ من الأتربة والأوساخ وأعطيتُ بدلة جديدة من المستشفى.
لقد كانت ليلة سوداء لم أشهد مثلها كنتُ فيها على شفا حفرة من الموت لكن شاء الله (جل جلاله) أن ينقذني فحمداً له وشكراً، وقضيت ليلة العيد التي يحتفل فيها الناس ويهيئ الأطفال ملابسهم وأنا على فراش الموت. وأصبح الصباح وبرامج العيد تتخللها بيانات القيادة العامة للقوات المسلحة تعلن سحق الهجوم المعادي. أما العقيد الركن عدنان الشربتي الرجل المؤمن البطل فقد أعدمه المجرمون مع الملازم طالب آمر فصيل الحماية ومراتب مقر اللواء كافة.
لم أتحمّل البقاء في المستشفى على الرغم من حاجتي للمكوث فيها وتركتها على مسؤوليتي ورفضتُ الإجازة، والتحقتُ إلى مقر فق مع6 الرئيسي حيث وجدتُ العميد الركن محمد نجم الدين النقشبندي رئيس الأركان والعقيد الركن كاظم علي سلمان ضابط الركن الأول للاستفسار عن مصير اللواء. وكان مصيره مجهولاً بعد انقطاع الاتصال معنا، وتم تجميع من تبقى منه في منطقة كتيبان، وكان لمع30 يقوم بالهجوم المقابل لاستعادة المواضع.
التحقتُ إلى مقر اللواء في كتيبان وهنأني الجميع بسلامتي ونجاتي من الموت المحقق، وعلمتُ أنّ المواضع تم استعادتها من قبل لمع30 الذي استولى على عجلات وأسلحة وتجهيزات اللواء الجديدة وعدّها من الغنائم. وتم إخلاء جثث الشهداء العقيد الركن عدنان الشربتي والملازم طالب حسين آمر فصيل الحماية وباقي المراتب. فحزنتُ على مصير آمر اللواء الرجل الشريف الشجاع وأرسلتُ العقيد فؤاد عبد الحسين لإيصال جثته وتعزية أهله وأقاربه.
وعلمتُ أنّ اللواء 18 لقي المصير نفسه لكّنه كان يعرف أسرار اللعبة في الجنوب، فانسحب إلى بحيرة الأسماك دون علم الفرقة وعاد نهاراً إلى موضعه. وكذلك فعل لمع42 وأخبر الفرقة بأنه يقاتل تراجعياً، وادّعى آمر اللواء بأنّ آمر أحد كتائبه يطلب قصف موضعه بمدفعيتنا لكي تُصيب مجاميع العدو الذي في العراء!!! والتحقت كتيبة دبابات يافا باللواء بدون أمر منّا واستشهد آمر الكتيبة المقدم الركن شوقي غيدان في الليلة نفسها. أما الفوج الثالث لواؤنا فقد تُرك في أرض المعركة بعد تراجع لمع42، إذ لم يبلّغ بالانسحاب نتيجة الارتباك وعدّ من الوحدات الصامدة البطلة. ومن الطريف أن ضابط استخبارات لمع 30 اتصل بي يطلب معلومات عن رائد في الفوج الثالث لواءنا اسمه علي حسين فأخبرته انه جيد، وتبين أنه استسلم إلى وحدات الدرع خلال الهجوم المقابل وهو يتوقّع أنهم إيرانيين ويتوسّل بهم بقوله أن أقاربه من حزب الدعوى.
مذكراتي ج2 الحرب العراقية – الإيرانية

زر الذهاب إلى الأعلى