الصوم: دورة تأهيلية لبناء الذات الإيمانية

أجنادين نيوز / ANN

بقلم: حكيم زغير الساعدي

قال الله تعالى في محكم كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].

فلسفة الإعداد: من ميادين المهن إلى رحاب العبادة

تقتضي طبيعة الحياة أن يمرَّ الإنسان بمرحلة إعدادٍ قبل خوض أي تجربة أو ممارسة أي مهنة؛ فكل عمل يتطلب إتقاناً لا بد له من “دورة تأهيلية” تسبقه. فالجندي -على سبيل المثال- ينخرط في تدريبات شاقة؛ ليتعلم فنون القتال وكيفية التأقلم مع ظروف المعركة القاسية، والطبيب يقضي سنوات في دورات مكثفة؛ ليتمكن من ممارسة اختصاصه بدقة تحفظ الأرواح. وهذا المبدأ ينطبق على المهن كافة التي تتطلب معرفة تفصيلية، وخبرة بالخفايا والمقاطع العملية.
الصيام كمنهج تدريبي سنوي
من هذا المنطلق، يمكننا النظر إلى الصوم كفعل إيماني يتجاوز كونه مجرد عبادة، ليكون “دورة تدريبية سنوية” مكثفة يخوضها المؤمن ابتغاء مرضاة الله. إنها ثلاثون يوماً من التأهيل الروحي والجسدي، تهدف إلى صياغة شخصية المسلم ليكون إيمانه مستقيماً، وعباداته مطابقة لأوامر الله سبحانه وتعالى؛ ليس فقط خلال شهر رمضان، بل كنهج حياة مستمر.

ما وراء الامتناع عن الطعام

إن المفهوم الجوهري للصيام لا يتوقف عند حدود “الإمساك عن الطعام والشراب” ثم الإفطار عند الغروب، بل هو أعمق من ذلك بكثير، ويتمثل في:
* تزكية النفس: هو صيام عن المحرمات وكل ما لا يجوز فعله، مما ينزه النفس ويرفعها إلى مراتب الإيمان العليا.

التقويم النفسي: تعمل هذه الدورة على وقاية الإنسان من “الأمراض النفسية”

والسلوكيات الخاطئة، مما يجعله أكثر التزاماً وانضباطاً في الأيام العادية.

مدرسة الصبر:

الجوع والعطش في رمضان ليسا غاية في حد ذاتهما، بل هما وسيلتان لتعلم الصبر والتحمل؛ فمن يقوى على كبح رغباته الأساسية، يصبح أكثر قدرة على مواجهة شدائد الحياة وابتلاءاتها بقلب صبور.
الخاتمة: صناعة الإنسان
وهكذا، يتكرر هذا المشهد الإيماني في كل عام؛ ليعيد بناء الإنسان من الداخل، ويصنع منه نفساً أبية قادرة على التنفيذ الدقيق لأوامر الله. إن الصيام هو الفرصة التي يتزود منها المؤمن بالقوة والعزيمة، ليخرج منها مؤهلاً لخوض غمار الحياة بروح مهذبة وإرادة لا تلين.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى