قراءة في السيرة الذاتية لرواية (ظلها الأخير) للدكتورة سرور مؤيد

اجنادين نيوز / ANN
الدكتور حيدر علي الاسدي (ناقد وأكاديمي)
تعد السيرة الذاتية من اهم مرجعيات الكتابة ذلك كونها تتصل بالمشاعر الشخصية للسارد بما تشتمل من احداث تاريخية وشخصية وازمات ونجاحات الَمت به وحركت فيه المشاعر نحو الكتابة فيختلط لديه ما هو موضوعي خارجي بما هو انساني ذاتي لتخرج الكتابة عبارة عن تجربة حياتية متكاملة الصورة ما بين الارهاص الداخلي وما يراه السارد من صرخة لإيصال هذه النوازع والاشتباكات الداخلية الى العالم الخارجي ( الموضوعي) عبر لغة الكتابة والسرد التأملي المسطور ، بين يدي كتاب معنون بـ( ظلها الأخير) ومجنس بتجنيس فرعي ( رواية) للزميلة والاخت العزيزة (الدكتورة سرور مؤيد) والكتابة عن هذه المجموعة ذات شجون اولاً لأني اكتب عن زميلة مقربة معي في الجامعة وثانيا لاني اكتب عن كتاب يوثق وجعها وعلاقتها مع (أمها) والتي تصدرت عنوان الكتاب فهي محور هذه الرواية من الغلاف وحتى الغلاف، فالعتبة الموازية تبدأ بغلاف امامي لظل امراة يسير نحو صورة مفترضة ومتخيلة الى (الجنة) محاطة بالأشجار والازهار والطيور الملونة بحيث اعتلى ظل (ألام) واجهة الغلاف وفي الاسفل كان اسم المؤلفة (البنت) في الغلاف الخلفي كانت تتوسطه صورة الام بكامل حضورها وهيمنتها الدلالية والايقونية، جاءت الرواية بواقع (112 صفحة) عن مؤسسة البصرة للطباعة والنشر 2025، وبصراحة حينما عرفت الرواية انها تحكي بطريقة سردية عن يوميات الدكتورة سرور مؤيد منذ الطفولة وحتى الدكتوراه مع والدتها ورحلة المرض الذي أصاب والدتها قلت انها رواية مشبعة بالعاطفة والشجون وسيغلب على اللغة طابع التعبوية العاطفية الذي يشل في احايين كثيرة جمال السرد الروائي ولكن المؤلفة ابهرتنا بلغتها السردية الجميلة رغم اني أرى ان هذا الكتاب هو اقرب الى (السيرة الذاتية) من ( رواية السيرة الذاتية) فالأخيرة تشتمل على جوانب متخيلة ومفترضة لم تكن موجودة بهذا الكتاب الذي بين يدي (ظلها الأخير) ولكن هذا لا يعني قصوره من ناحية تشكيل السرد والصور والتشبيهات الواصفة فقد كانت المؤلفة مميزة رغم انها تكتب بالدمع والدم والشجن الا انها كانت تمتاز بدقة تعابيرها ووصفياتها الساردة والتي تعبر عن إمكانية لغوية لدى الكاتبة في وصف الأشياء الحياتية وخبرة في اختزال المعاني الحياتية والالام بجمل لغوية معبرة تنفذ الى ذهن القارئ وتلامس شغاف قلبه ووجدانه رغم انها تكتب عن وجع ومرارة من واقعها الذاتي والمحيط، وقد قسمت الدكتورة سرور مؤيد هذا الكتاب الى (طفولتي مع امي، الذكريات الجميلة ، اول حلم رسمته امي في حياتي، تشجيع امي لي في الدراسة، المواقف التي زرعت في قلبي حب العلم وطقوس النجاح، السادس العلمي، الطريق الى الدكتوراه واتخاذ قرار اكمال الدراسات العليا، ضغوط الحياة والموازنة بين الدراسة والعمل، فرحة امي كلما اقتربت من هدفي) ثم جاءت على الأهم بهذا الكتاب والمحور الأساس (القاتل الصامت) وهو المرض الذي أصاب والدتها وتحدثت عن اول صدى للتشخيص ودموعنا وصبرها ، بطلة بلا سيف، ثم الصراع في حضرة الوجع ورحلة العلاج الكيميائي وامتحان الصبر والامل واليأس ووصية كتبت بالدموع والصمت والرحيل قبل تحقيق الحلم بين الانكسار ونبضات القلب الأخيرة ، ثم الختام بثمرة فضل الله ورضا الوالدين وأول يوم في قاعة الدرس ولحظات الحنين في كل نجاح ورسالة المؤلفة الى القراء في دروس الحياة وبر الوالدين والإصرار على الحلم والحب الذي لا يموت، يبدو ان الكاتبة كانت بقصدية واضحة تخرج لنا من سيرتها (الانوية) الى (وعظية تربوية موضوعية ضمن نسق الرسائل التربوية التي وجهتها في ختام الرسالة) حتى تحافظ على أهمية وقيمة هذا الكتاب خرجت للقراء بهذه الارشادات والنصائح التي تحكي رحلة الكفاح والإصرار على النجاح وضرورة تقديس عطاء الوالدين وهي قيمة كبرى في المتن السردي هذا، الكاتبة في كتابها هذا لا تحكي سرديتها الانوية مع والدتها وحسب بل تتطرق للعديد من الاحداث التاريخية وتربطها بطريقة سيرية جميلة بحيث يتمظهر الجانب الحياتي لعائلتها بما فيه من تراث وعادات وتقاليد مجتمعية جميلة تتصل بالأسرة العراقية احياناً والاسرة البصرية احايين كثيرة وهو ما يضيف المتعة في عملية قراءة وتلقي هذا النص السيري ( رائحة الحرمل ، حلال المشاكل، ادعية رمضان وصفر،المدرسة وادبياتها، الكليجة، طقوس مناسك العمرة) ولم تكن الكاتبة في نصها العاطفي هذا مجرد واصفة بلغة الحياة اليومية (ألانشائية) انما كانت تمتلك قدرة تعبيرية جميلة عن الأشياء وعن البطلة المطلقة والوحيدة في روايتها ( أمها) : (( كانت امي سر البيت ودليله ، بوصلة كل شيء فيه ، فما من غرض نطلبه الا وتدلنا عليه كأنها تحفظ خريطة خفية بين الجدران، كثيراً ما كنت اظن ان في قلبها قوة سحرية ، فلا شيء يضيع معها ولا يتبعثر// الرواية ص14)) فالمعنى الدلالي يفضي الى معنى اعتباري رمزي فلم تكُ الام مجرد دليلاً رمزياً بل كانت سر البيت ودليله وبوصلته بالمعنى الاعتباري التربوي، وكذلك في تعبيرها الاجمل على سر تعلقها بأمها عبر المسطور الاتي : ((اشعر اني لا اوقع باسمي وحدي، بل باسمين متداخلين ، يكتبان معاً، أسمي وأسمها ، لم أعد أرى نجاحي طموحاً شخصياً فقط ، بل امتداداً لروحها التي لم ترحل، كل مرة اعتلي منصة واقف امام جمهور لأشرح واقدم أراها في مخيلتي تجلس في الصفوف الاولى تبتسم لي بتلك النظرة الفخورة// الرواية ص92)).وتختتم برسالة جميلة ومعبرة : ((اكتب هذه السطور من قلب تشرب الألم حتى فاض، قلب ذاق مرارة الفقد حد الثمالة، وانحنى تحت وطأة الدموع، لكنه في النهاية ابى ان ينكسر/ الرواية ص99)) اذ ان المؤلفة قدمت هذه الرسالة لتظهر هشاشة وقوة الانسان في ان واحد وكيف يواجه الفرد تحدياته رغم مرارة المواقف وصعوبتها وهنا تكمن اهمية الرسالة والعبرة التي قدمتها المؤلفة في روايتها هذه. انها رواية تستحق القراءة لمن كان يبحث عن كيفية مواجهة الصعوبات والتحديات وان يكون واقفاً رغم كل الخيبات والانكسارات والدموع والدم، انها رواية تحكي قصة الوفاء والاخلاص وبر الوالدين كتبت بطريقة ذاتية مشبعة بلغة تعبيرية شفافة تتلامس مع القلوب لأنها خارجة من القلب ومكتوبة بقلم حبره الدموع.




