الإعلام بعد معركة الطف: كيف حوّلت السيدة زينب (عليها السلام) الهزيمة العسكرية إلى انتصار إعلامي خالد؟

اجنادين نيوز / ANN
كواكب علي السراي
لم تنتهِ واقعة الطف باستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه في كربلاء عام 61 للهجرة، إذ لم يتجه الإمام الحسين (عليه السلام) إلى كربلاء بوصفها معركة عسكرية تقليدية هدفها تحقيق نصر ميداني، بل بوصفها مشروعاً إصلاحياً متكاملاً يهدف إلى إحياء الضمير الإسلامي وكشف الانحراف الذي أصاب الأمة بعد رحيل الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
ومن هذا المنطلق، لم يكن اختيار الأشخاص الذين رافقوه أمراً عفوياً أو وليد الصدفة، بل كان لكل واحد منهم دور في تجسيد رسالة النهضة الحسينية وإيصال أهدافها إلى الأجيال اللاحقة. فكما كان للحسين (عليه السلام) وأصحابه دور الشهادة والتضحية، كان للسيدة زينب (عليها السلام) والإمام السجاد (عليه السلام) دور حفظ الحقيقة ونقلها إلى الأمة، لتتحول كربلاء من واقعة تاريخية إلى رسالة خالدة تتجاوز حدود الزمان والمكان.
لذا نرى انه بعد واقعة الطف بدأت معركة أخرى أكثر تأثيراً واستمراراً ، هي معركة الكلمة والوعي وكشف الحقيقة. فبينما ظنت السلطة الأموية أنها حققت نصراً عسكرياً أنهى الثورة الحسينية، برزت السيدة زينب (عليها السلام) لتقود مواجهة إعلامية كشفت حقيقة ما جرى وحفظت رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) من الضياع والتحريف.
اعتمدت الدولة الأموية على المنابر والخطب الرسمية لترويج روايتها للأحداث وتبرير ما وقع في كربلاء، محاولةً تصوير الثورة الحسينية على أنها خروج على السلطة، مع التعتيم على المأساة الإنسانية التي طالت أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). غير أن هذه الرواية سرعان ما تهاوت أمام شهادات الناجين من أهل البيت (عليهم السلام)، وفي مقدمتهم السيدة زينب (عليها السلام).
ورغم ما تعرضت له من مصائب وآلام، أدركت السيدة زينب (عليها السلام) أن مسؤوليتها لا تقتصر على رعاية النساء والأطفال، بل تمتد إلى حماية الحقيقة ونقلها إلى الأمة. فكانت خطبتها في الكوفة بداية المواجهة الإعلامية، حيث خاطبت ضمائر الناس وكشفت لهم حجم المأساة التي أسهموا في وقوعها بصمتهم وتخاذلهم.
كما واصلت دورها في مجلس ابن زياد ثم في قصر يزيد بدمشق، حيث واجهت السلطة بشجاعة وثبات، وأبطلت محاولات تحويل الجريمة إلى انتصار سياسي. وبكلماتها المؤثرة نقلت القضية الحسينية من حدث محلي إلى قضية رأي عام شغلت المسلمين وأثارت تساؤلاتهم حول حقيقة ما جرى في كربلاء.
لقد أثبتت السيدة زينب (عليها السلام) أن الانتصار لا يُقاس دائماً بالسلاح، بل قد يتحقق بالكلمة الصادقة والرسالة الصادقة. فبينما امتلكت السلطة القوة العسكرية، امتلكت هي قوة الحقيقة، فنجحت في تحويل المأساة إلى رسالة خالدة، والشهادة إلى مشروع وعي متجدد عبر الأجيال.
واليوم ، ما تزال التجربة الزينبية تمثل نموذجاً للإعلام المسؤول الذي يقوم على الصدق والشجاعة والدفاع عن القيم الإنسانية ، والتي لولاه لما بقيت كربلاء حية في الوجدان الإسلامي ، لهذا بقيت السيدة زينب (عليها السلام) رمزاً للوعي والإعلام الذي ينتصر للحق مهما اشتدت محاولات التزييف والتضليل.
إن الثورة الحسينية لم تكن نتاج المعركة العسكرية وحدها ، بل كان ثمرة للرسالة الإعلامية التي حملتها السيدة زينب (عليها السلام) ، والتي حولت الهزيمة الظاهرية إلى انتصار إعلامي وفكري خالد .




