مطرقة الهيمنة وسندان التبعية.. كيف تقدم الصين “المعادلة الثالثة” للعالم النامي؟

اجنادين نيوز / ANN

بقلم: نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين “أصدقاء وحلفاء الصين

هل يعيش العالم اليوم أزمة نظام أم أزمة مبادئ؟ وهل ما نشهده من حروب وصراعات وتناقضات في المواقف الدولية هو نتيجة خلل مؤقت، أم انعكاس لتحولات عميقة في شكل النظام العالمي؟
أسئلة كثيرة تفرض نفسها أمام المشهد الدولي الراهن. ففي الوقت الذي تتحدث فيه العواصم الكبرى عن حقوق الإنسان والقانون الدولي، يرى كثيرون أن الواقع يكشف فجوة كبيرة بين الشعارات والممارسات. فبينما تُرفع في نيويورك وجنيف رايات الدفاع عن القيم الإنسانية، تستمر معاناة شعوب كثيرة، وتبقى غزة وفلسطين مثالًا مؤلمًا على حجم التناقض بين المبادئ المعلنة وما يجري على الأرض.
فهل أصبح العالم محكومًا بمنطق القوة بدل القانون؟ وهل باتت المصالح السياسية والاقتصادية هي التي تحدد من يستحق التعاطف ومن يُترك لمصيره؟
هذه التساؤلات دفعت كثيرًا من الشعوب، خاصة في عالمنا العربي والإسلامي، إلى البحث عن نماذج أخرى، وعن تجارب استطاعت أن تصنع تحولًا حقيقيًا بعيدًا عن منطق الهيمنة أو التبعية. وهنا تبرز التجربة الصينية كواحدة من أكثر التجارب إثارة للنقاش في عالم اليوم.
كيف استطاعت الصين خلال عقود قليلة أن تنتقل من دولة نامية إلى قوة اقتصادية وتكنولوجية عالمية؟
الإجابة تبدأ من الداخل. فالصين لم تبنِ نهضتها على التوسع العسكري أو فرض النفوذ خارج حدودها، بل ركزت على بناء الإنسان، وتطوير التعليم، ودعم الصناعة، وتعزيز البحث العلمي، وإنشاء بنية تحتية ضخمة جعلتها من أبرز الاقتصادات العالمية. لقد تمكنت الصين من إخراج 800 مليون إنسان من دائرة الفقر المدقع، وبناء شبكة صناعية وتكنولوجية واسعة، وتحويل تحدياتها الداخلية إلى فرص للنمو والتقدم، في إنجاز هو الأكبر في تاريخ البشرية.
لكن الصين لم تبقَ منشغلة بنهضتها الداخلية فقط، بل أطلقت “مبادرة الحزام والطريق” كإطار للتعاون الاقتصادي بين الدول، عبر مشاريع البنية التحتية والتجارة والاستثمار. هذا الطريق الحريري الجديد يقدم نموذجًا يقوم على الشراكة والمصالح المشتركة، بعيدًا عن شروط التقشف التي يفرضها الغرب، وقائمًا على مبدأ “المكاسب المشتركة” بدل “المكاسب على حساب الآخر”.
كصحفيين يمنيين وعرب، نتابع عن كثب كيف أن الصين، وبصمت مهيب، تقدم نموذجًا مغايرًا تمامًا للعلاقات الدولية. إنه نموذج يقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهو ما يختلف جذريًا عن النهج الغربي الذي تعودنا على إملاءاته وشروطه. الصين لم تفرض على أحد نمط حياة، ولم تهدد أحدًا بقطع المعونات، بل قدمت الشراكة الحقيقية، وفتحت أسواقها، ونقلت التكنولوجيا، وشاركت في البنى التحتية للدول النامية دون استعلاء أو وصاية.
وهل يعني ذلك أن التجربة الصينية يجب أن تكون نموذجًا جاهزًا للجميع؟
بالطبع لا. فلكل دولة خصوصيتها وظروفها التاريخية والثقافية والسياسية. لكن التجارب الناجحة تقدم دائمًا دروسًا مهمة يمكن الاستفادة منها. والدرس الأبرز من الصين هو أن النهضة لا تُمنح من الخارج، بل تُبنى من الداخل عبر العلم والعمل والتخطيط والإرادة الوطنية.
إن العالم العربي اليوم، واليمن بشكل خاص الذي يئن تحت وطأة الحرب والانسداد السياسي، يقف أمام سؤال مصيري: هل يستمر في الدوران بين مطرقة الهيمنة وسندان التبعية، أم يبدأ في بناء مشروعه الخاص؟ فالمطلوب ليس استبدال نفوذ بنفوذ آخر، بل امتلاك القدرة على صناعة القرار، وتنمية الاقتصاد، والاستثمار في الإنسان. الدول لا تصبح قوية بكثرة الشعارات، بل بما تنتجه من معرفة، وما تبنيه من مؤسسات، وما توفره من فرص لشعوبها.
إن الصين تقدم ما يمكن وصفه بـ “المعادلة الثالثة”؛ معادلة تقوم على التنمية والاستقلال والشراكة، لا على الصراع أو فرض الوصاية. وهي تجربة تستحق الدراسة والنقاش، ليس لأنها تخلو من التحديات، بل لأنها تثبت أن الدول قادرة على تغيير موقعها في العالم عندما تمتلك رؤية واضحة وإرادة حقيقية.
في النهاية، ليست القضية صراعًا بين الشرق والغرب بقدر ما هي صراع بين نماذج مختلفة لمستقبل البشرية. نموذج يجعل الإنسان محور التنمية، ونموذج يختزل الشعوب في حسابات القوة والمصالح. والصين، بما حققته من تنمية بلا حروب، واستقرار بلا استبداد خارجي، أثبتت أن المنطق الأول هو الأجدى والأبقى.
نحن كصحفيين، حملة أقلام الحقيقة، نرى أن واجبنا هو نقل هذه النماذج الملهمة، ليس انحيازًا، بل إنصافًا، وليس إشادة عمياء، بل تقديرًا لإنجاز غيّر موازين القوة في عالم لا يعترف إلا بالنتائج.
والسؤال الذي يبقى مفتوحًا أمام العالم النامي: هل سيظل متلقيًا لخيارات الآخرين، أم سيبدأ في صناعة خياراته الخاصة؟ فالمستقبل لا ينتظر من يقف على الهامش، بل ينحاز لمن يمتلك القدرة على البناء.

زر الذهاب إلى الأعلى