الإسلام شيئ و المسلمون شيئ آخر تماما

اجنادين نيوز / ANN
و بين الإسلام و المسلمين كبين كوكب زحل و كوكب الأرض أو أبعد !
د.يحيى أبو زكريا
إنّ أخطر ما يواجه أي دين ليس هجوم خصومه عليه، بل تشويه أتباعه لقيمه ومقاصده. وما نشهده اليوم في أجزاء من الواقع الإسلامي يكشف مفارقة مؤلمة؛ فبينما جاء الإسلام ليؤسس منظومة أخلاقية قائمة على الرحمة والعدل والكرامة الإنسانية، انزلق بعض المنتسبين إليه إلى ممارسات تناقض جوهر رسالته.
قد تحوّل الخلاف الفكري لدى كثيرين إلى ساحة للتنمر والإقصاء، وأصبح التكفير والسبّ والتخوين أدوات جاهزة في مواجهة كل رأي مختلف. وبدل أن يكون الدين قوةً أخلاقية تدفع نحو البناء والإبداع والتعايش، جرى اختزاله في صراعات الهوية ومعارك الإدانة المتبادلة. وهكذا تراجعت القيم التي شكّلت جوهر الرسالة الإسلامية، مثل التسامح والحكمة واحترام الإنسان، أمام خطاب متشنج يكرّس الانقسام والكراهية.
إنّ الإسلام لم ينتشر في مراحل ازدهاره التاريخي بالسيف وحده كما يروّج البعض، بل انتشر بقوة المثال الحضاري والأخلاقي والعلمي. وحين كانت الأمة تنتج المعرفة وتساهم في العمران الإنساني، كانت تمتلك حضورًا وتأثيرًا على المسرح العالمي. أما حين انشغلت بمعارك التكفير والاقتتال الداخلي وتقديس الخلافات الثانوية، فقد فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على الإسهام الحضاري والتأثير الكوني.
المشكلة إذن ليست في الإسلام بوصفه رسالة أخلاقية وإنسانية، بل في القراءة المنغلقة التي حوّلت بعض تعاليمه إلى أدوات للهيمنة والإقصاء. فالدين الذي جاء ليهذب الإنسان لا يمكن أن يتحول إلى مبرر للعنف اللفظي أو الرمزي أو المادي دون أن يفقد أتباعه صلتهم بروحه الحقيقية.
إنّ استعادة المكانة الحضارية للمسلمين لا تبدأ بالشعارات، بل بمراجعة نقدية جريئة للخطاب السائد، وبإحياء قيم الأخلاق والعلم والحوار واحترام الاختلاف. فالأمم لا تُقاس بكثرة ما ترفعه من شعارات دينية، بل بقدرتها على تجسيد القيم التي تؤمن بها في واقعها وسلوكها وإسهامها في خدمة الإنسانية.
د.يحيى ابوزكريا




