سبعون عاماً من الشراكة اليمنية الصينية: من عراقة التاريخ إلى خارطة “الحزام والطريق”

أجنادين نيوز / ANN
بقلم: نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين

سجّل التاريخ في الرابع والعشرين من سبتمبر 1956 بداية رسمية لعلاقة استثنائية، حين كانت اليمن من أوائل الدول العربية التي أقامت علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية. واليوم، وبعد سبعين عاماً، لم تعد مجرد ذكرى سياسية، بل أصبحت محطة فارقة تستدعي وقفة تأمل في نموذج صداقة صمدت أمام أعاصير التحولات الجيوسياسية. وفي عالم يعيد تشكيل قواعده الاقتصادية بسرعة قياسية، لم تعد التجارة التقليدية وحدها معيار القوة والنفوذ، بل أصبحت سلاسل الإمداد، والبنية التحتية، والطاقة، والتكنولوجيا هي المحددات الحاسمة لمراكز الثقل في الاقتصاد العالمي. وفي هذا السياق تتقدم العلاقات العربية الصينية كنموذج تنموي قائم على الشراكة طويلة الأمد، تقوده مبادرات كبرى في مقدمتها مبادرة “الحزام والطريق”، الهادفة إلى إعادة رسم خرائط التجارة وربط آسيا وإفريقيا وأوروبا بشبكات تعاون اقتصادي أكثر تكاملاً.

وفيما يستقبل اليمنيون هذا العام السبعين، فإنهم يقفون وقلوبهم على أيديهم، يملؤهم الشغف الممزوج بالقلق والأمل في آن واحد، متطلعين إلى حجز مكان ثابت لبلادهم على خارطة “طريق الحرير البحري الجديد”. فهم يدركون أن بلادهم تمتلك “المفتاح الجغرافي” لأهم الممرات البحرية عالمياً (مضيق باب المندب وخليج عدن)، وهي جغرافيا تتطابق تماماً مع الفلسفة الصينية. ومع ذلك، تُعلمنا أدبيات الاقتصاد السياسي أن الجغرافيا تمنح الفرص، لكن الاستقرار هو الذي يخلق القيمة؛ ونتيجة للأزمات الداخلية، يخشى اليمنيون أن يتجاوزهم قطار التنمية العالمي، وأن يظل اليمن “فرصة مؤجلة” بدلاً من أن يكون شريكاً فاعلاً.

تاريخياً، كان اليمن سبّاقاً في مد جسور التواصل؛ إذ كان من أوائل الدول العربية التي أقامت علاقات دبلوماسية مع بكين عام 1956، وعزز ذلك بأول معاهدة صداقة عربية–صينية عام 1958، وصولاً إلى دعم بكين في استعادة مقعدها الأممي عام 1971. في المقابل، تبنت الصين نهجاً ثابتاً يقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. بيد أن هذه العلاقة أعمق من دبلوماسية العقود؛ فجذورها ممتدة لقرون مضت حيث تلاقت الحضارتان عبر طريقي البخور والحرير القديمين، وسجلت موانئ عدن والمخا محطات رئيسية للتبادل التجاري والثقافي بين الشرق والغرب.

ولم تكن هذه الصداقة حبراً على ورق، بل تُرجمت إلى مشاريع تنموية حيوية ما زالت تخدم اليمنيين حتى اليوم؛ من شق الطرق الاستراتيجية كطريقي (صنعاء–الحديدة) و(عدن–المكلا)، إلى بناء مصانع النسيج في صنعاء وعدن، وتقديم قروض تنموية ميسرة وبدون فوائد (مثل قرضي 1968 و1970)، وامتداد ذلك إلى مشاريع السدود والزراعة ومحالج القطن، وصولاً إلى تقديم آلاف المنح الدراسية وإرسال عشرات الخبراء لتأهيل الكوادر الوطنية، في نموذج تنموي متكامل يقوم على بناء الإنسان قبل البنية، ونقل المعرفة قبل الاستثمار التقليدي.

وفي القطاع الصحي، انغرس العطاء الصيني في وجدان الشعب اليمني من خلال صروح طبية بارزة؛ ففي العاصمة صنعاء، تم إنشاء “مستشفى الصداقة اليمني–الصيني” (مستشفى 48 حالياً) بسعة 200 سرير وبتمويل كامل من الحكومة الصينية، إضافة إلى دعم مستشفى الولادة والأطفال، ومستشفى الثورة في تعز. أما في مدينة عدن، وتحديداً في منطقة كريتر ذات البعد التاريخي، فدُشّن “المستشفى الصيني” عام 1973 (مستشفى الشعب للولادة حالياً)، والذي مثل لخمسة عقود حاضنة للتعاون الإنساني ونقل الخبرات، وعمل فيه أطباء صينيون إلى جانب زملائهم اليمنيين في نموذج عملي للشراكة الطبية. ولم تقتصر الجهود على هذه المستشفيات، بل شملت توسعة مصنع ملح خور مكسر، وإنشاء شركة حكومية للثروة السمكية بمرافق متطورة.

ويظل بقاء البعثة الطبية الصينية في صنعاء خلال “حصار السبعين” عام 1967 ملحمة إنسانية لا تُنسى، جسدت عمق الصداقة بين الشعبين في أصعب المحطات. واستمراراً لهذا النهج، وصلت بعثة طبية عام 2010 ضمت 45 طبيباً وخبيراً صحياً للعمل في مستشفيات عدن ولحج وأبين وحضرموت، وصولاً إلى الدعم النوعي الذي قدمته بكين لليمن خلال جائحة كورونا عبر إرسال ثلاث سفن محملة بالمعدات والأجهزة الطبية الحديثة، وهو ما أثنى عليه وزير الصحة اليمني باعتباره دعماً استثنائياً في ظل الظروف الصعبة.

وفي المشهد الراهن المعقد، تطبق بكين دبلوماسية براغماتية مرنة؛ إذ تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع أطراف المعادلة اليمنية (الحكومة المعترف بها دولياً في عدن، أنصار الله في صنعاء، والمجلس الانتقالي الجنوبي). هذا الانفتاح المتوازن تجلى في توقيع شركة صينية لمذكرة تفاهم في قطاع النفط مع صنعاء في مايو 2023، وهو تحرك قوبل بتسامح ضمني من الرياض التي تبحث عن مخرج سياسي للحرب. وفي الوقت نفسه، تجتمع الدبلوماسية الصينية بالمسؤولين السعوديين وقادة مجلس القيادة الرئاسي والانتقالي الجنوبي، متمسكة برؤيتها الرافضة لانفصال الجنوب، ودافعة بالجميع نحو مسار تقاسم السلطة والاستقرار.

هذا الحضور الدبلوماسي المتنامي يعكس استراتيجية صينية أوسع كبديل دولي يقوم على “عدم التدخل”. وتدرك بكين جيداً أن مرحلة ما بعد الحرب في اليمن ستفتح الباب لورشة إعادة إعمار كبرى بمليارات الدولارات، وهو ما يضمن للشركات الصينية موقع الصدارة. والأهم من ذلك، هو البعد الأمني والتجاري؛ فاستقرار اليمن وتأمين موانئه وخليج عدن يعد صمام أمان لتدفق النفط والتجارة الصينية المتجهة إلى أوروبا عبر البحر الأحمر، مما يتقاطع مباشرة مع نجاح مبادرة الحزام والطريق التي تهدف إلى ربط آسيا وإفريقيا وأوروبا بشبكات تعاون اقتصادي متكامل.

وتبرز في المشهد الراهن فرص جديدة للتعاون في مجالات الطاقة المتجددة، وتطوير الموانئ وربطها بخطوط شحن مباشرة مع الموانئ الصينية، والبنية التحتية، والاقتصاد الرقمي، وتنمية الموارد البشرية، بما قد يعيد لليمن دوره التاريخي كبوابة بحرية مهمة على خطوط التجارة الدولية.

في المحصلة، تؤكد التجربة أن الجغرافيا وحدها لا تكفي لصناعة التنمية، وأن تحويل الموقع الاستراتيجي إلى قوة اقتصادية يتطلب استقراراً داخلياً ورؤية وطنية واضحة وشراكات دولية فاعلة. إن بلوغ السبعين عاماً من العلاقات اليمنية–الصينية ليس نهاية المطاف، بل هو منصة انطلاق نحو شراكة مستقبلية تتجاوز الاستثمار التقليدي إلى آفاق الثقافة، والإعلام، والبحث العلمي، والتعليم. إن آمال اليمنيين المعلقة على “الحزام والطريق” تبقى مرهونة بقدرة قواهم الوطنية على تحقيق الاستقرار الداخلي، وصياغة رؤية تنموية واضحة، واستثمار هذا الإرث التاريخي من الثقة مع الصين لتحويل “الجغرافيا إلى اقتصاد” والموقع الاستراتيجي إلى قيمة حقيقية في عالم دائم التغير. وما أحوج اليمن اليوم إلى إدراك أن سبعين عاماً من الثقة المتبادلة تؤكد أن العلاقات الراسخة تُبنى على الاحترام والشراكة والمصالح المشتركة، وأن الأجيال القادمة تستحق أن ترث صداقة قادرة على صناعة المستقبل، لا أن تبقى أسيرة تحديات الماضي. وبينما تمضي الصين في رؤيتها القائمة على التعاون طويل الأمد والربط الاقتصادي، يبقى مستقبل اليمن مرهوناً بقدرته على تحويل الفرصة إلى مشروع، والجغرافيا إلى اقتصاد، والموقع إلى قيمة حقيقية داخل النظام العالمي المتغير.

زر الذهاب إلى الأعلى