مونودراما (مسرحية) جميعكم مذنبون

اجنادين نيوز / ANN

تأليف
ضياف درويش

بيئة العرض (السينوغرافيا و الإضاءة):

الديكور:
حبل إعدام متدلٍ في وسط المسرح، و أسفله خشبة صغيرة مشنقة بدائية.

الإضاءة:

المسرح مظلم جزئياً وبإضاءة منخفضة في جميع المشاهد. وإضاءة تتبع الممثل على خشبة المسرح . إضاءة ساطعة للمسرح في المشهد الحميمي و استرجاع الذكريات فقط.

النص المسرحي :

تسمع أصوات قعقة صحون الأكل والملاعق أثناء فتح الستار. بينما المسرح فارغاً تماماً.

يحملُ وحيد صحن طعامه نحو ساحة العرض. متحدثاً بصوت يعلوا تدريجاً. (لن أعطيكم… كلها لي….. وحدي…..وحدي)

يجلس على الأرض ويأخذ يتناول الخبز بشراهة، يلتفت وينظر شمالاً كأنه يخاطب أحد ما. ( لن أعطيك… لا تنظر إلي )
يلتفت جنوباً ويصرخُ بصوتٍ غاضبٍ ينظر جنوباً. ( ألم تسمع؟ كُلهُا لي…. وحدي وحدي. حمقاء يريدون قتلي جوعاً)

يقهقه ضاحكاً بصوت مرتفع و هستيري. ( بكل الأحوال سوف أقتل)
يتوقفُ فجأة عن الضحك، ينظر إلى الأمام بغرابة تتبدل إلى بهجة طفولية، يحبو بجسدٍ مثقل ويرمي قطعة خبز أمامه.
(خذها أيها القط أنت لست مذنبا ولست شيطانا مثلهم، ولم تتركني يوماً وحيداً مثلما فعلوا.

يقوم بحركة تمثيلية كأنهُ يطعم القط، ويتماهى معه بضحكات بريئة، ثم يتنهد بعمق.
(آهٍ أيها القط)

يأخذ نفساً عميقاً، يلتفت إلى جانبه فتتبدل ملامحه إلى دهشةٍ يملؤها الحب والحنين والحزن العميق، يركض بخطوات مثقلة نحو طيف زوجته الذي يتخيله أمامه مردداً إسمها.

(جوليا…. جوليا…. جوليا… أميرتي الجميلة )
يتحسس الهواء حوله ببطء، وكأنما يتحسس ملامح وجهها.
( إشتقت إليكِ كثيراً وإلى أبنائنا)
يرفع يديه لضمها بسعادة غامرة، فتغلق ذراعيه على هواء فارغ، يدرك الحقيقة. يتنفس بصعوبة وألم، تعود إضاءة المسرح بالإنخفاض تدريجياً، يقترب من الحبل المتدلي في وسط المسرح، يمسكه بلطف شديد وكأنه يمسك يدها.
( لماذا هربتِ؟ هل تصدقينهم؟ يقولون إنني وحش …. إنني قتلتهم)
يضحك بسخرية مريرة، وعيناه تفيضان بالوجع.
( قتلتهم ؟ أنا لم أفعل سوى ما عجزتم جميعاً عن فعله. لقد عانقتهم. كانوا يرتجفون من البرد في زوايا غرفهم. تماماً مثلي…. أنا لستُ مريضاً …. أنتم المرضى…. من لا تشعرون بمن حولكم)

يترك الحبل ويتجول في بقعة الضوء وتأخذ نبرته طابعاً ذكرياتياً عميقاً.
( من ترونهم سيئين أنهم رفاقي…قالوا لي أنت لست مريضاً يا وحيد… هم المرضى… أنظر إليهم ينامون بسعادة بينما غيرهم ينام حزيناً وبأئساً… تعال معنا نحن عائلتك الآن…. خذ هذا المعطف الدافئ واذهب ووزع الدفء والسعادة على البائسين اجعلهم يشتعلون بالدفء مرة واحدة. لمرة واحدة وإلى الأبد…كانوا صادقين دائماً معي ومع بعضهم…. فهم أسرتي الوحيدة التي منحتني الحب الذي لم تمنحني أياها جوليا و أبنائي و جميع عائلتي والعالم القاسي كانوا يتذمرون مني لاني مفلس وبلا وظيفة)

يتوقف عن الحركة، يتقدم نحو مقدمة المسرح، يحدق في الجمهور مباشرة بعينين ثاقبتين واتهام صريح.

(الآن تنظرون إلي؟ بخوف … وتسمونني إرهابيا…. أين كأنت هذه العيون عندما كنت أصرخ وحيداً أبحث عن عمل….أبحث عن من يحتضنني ويخفف حزني… حتى جوليا تحولت مثلكم أيضاً… أين كنتم عندما كنتُ إنسانا لم تروني ولم تهتموا بي والآن أصبحتم مهتمين بي لأنكم تخافون مني لأنني اوزع الدفء للجميع.

يبتسم بنشوة غريبة ويمشي ببطء كأنهُ يؤدي رقصةُ المقدسة.
( ذهبت إليهم…. في الأسواق وفي المدارس.. أطفال يبكون، أمهات متعبات ورجال بائسون. اقتربت منهم واهديتهم الحب وضغطت على الزر لامنحهم الخلاص)
يفتح ذراعيه كأنهُ يصلب نفسه ويصرخ بصوت يشق الصمت.
(بوووم…. بوووم)
( جعلتهم يعانقون بعضهم جميعاً….. أنا انقذتهم…… أنا)

يُسمع فجأة دوي أصوات متداخلة،،،، يقطعه حاد لمطرقة قاضٍ تضرب بقوة، يسكر الصوت نشوته، يلتفت برعب، ثم يستعيد ثباته.
( لن تحكموا عليّ. أنا من يحدد كيف تكون نهايته. لقد فعلت ما لم تجرؤوا على فعله وانقذت الكثيرين من وحدتهم وبؤسهم)

يتجهُ نحو الخشبة الصغيرة في منتصف المسرح، يصعد عليها بثبات. يمسك الحبل ويلفه ببطء حول رقبته. تتقلص بقعة الضوء لتضيء وجهه فقط. يحدق في الجمهور للمرة الأخيرة بصوت عميق.
(جميعكم…… جميعكم مذنبون)

إظلام تام ومفاجئ للمسرح يتزامن مع دوي صوت عنيف لركل الخشبة من تحت قدميه يسود صمت مطبق.

( النهاية )

زر الذهاب إلى الأعلى