في اليمن… حتى قاموس الانتخابات تغيّب

اجنادين نيوز / ANN

بقلم: نجيب الكمالي

قرأت للزميل الفلسطيني غسان جابر مقاله “ننتخب الرصيف… فمن ينتخب الوطن؟”، وشعرت بشيء يشبه الغيرة. ليس غيرة حاقدة، بل غيرة حزينة. غسان يتحدث عن انتخابات البلدية التي جرت في الضفة، ويطالب بانتخابات تشريعية ورئاسية كاملة، وينتقد تحويل الصندوق الصغير إلى بديل عن الصندوق الكبير. وهو في كل هذا محق، بل جميل أن يبقى الإنسان في الحق رغم كل شيء.
لكنني وأنا أقرأه تذكرت أن فلسطين رغم الاحتلال الإسرائيلي، ورغم الانقسام الداخلي، ورغم الحصار، لا تزال تحتفظ بكلمة اسمها “انتخابات”. قد تكون معطلة، منقوصة، مؤجلة، لكنها موجودة في القاموس. الفلسطيني لا يزال يسأل: متى ننتخب الوطن؟
أما في اليمن فالمشهد مختلف تمامًا. لم يعد السؤال مطروحًا لأن الأسئلة نفسها تآكلت. لم نعد نسأل متى ننتخب الوطن، ولا حتى متى ننتخب المجلس المحلي، ولا حتى من أصلح الرصيف. الأسئلة سقطت واحدة تلو الأخرى حتى توقفنا عن السؤال أصلًا.
هذا هو الفرق بين شعب لا تزال الديمقراطية همه، وشعب أصبحت الدولة نفسها همه. هناك من يناقش جودة الصندوق، وهناك من لا يجد صندوقًا أصلًا. هناك من يتحدث عن تأجيل الانتخابات، وهناك من يتحدث عن تأجيل الدولة نفسها.
في اليمن لم يعد أحد يسأل متى الانتخابات الرئاسية، لأن السؤال نفسه أصبح ساذجًا أمام واقع لا رئاسة واضحة فيه تُنتخب، ولا برلمان يعقد جلساته بانتظام، ولا مجالس محلية تمارس دورها الطبيعي. حتى الانتخابات المحلية التي يعتبرها غسان حدًا أدنى في فلسطين، أصبحت في اليمن ذكرى بعيدة. آخر انتخابات محلية جرت كانت في عام 2006 أي منذ ما يقارب عقدين. جيل كامل وُلد وكبر ولم ير صندوق اقتراع في حياته. هؤلاء الشباب لا يعرفون الانتخابات كتجربة بل كمعلومة بعيدة في الكتب المدرسية إن وجدت.
وهنا تأتي المأساة الأعمق كيف تُبنى ثقافة ديمقراطية في جيل لم ير ديمقراطية قط؟ كيف نطلب من شباب تربى على منطق القوة والنفوذ والولاءات أن يؤمن بصندوق الاقتراع كوسيلة للتغيير؟ لسنا بصدد اتهام أحد بل بصدد توصيف واقع شديد القسوة. فغياب الانتخابات لا يعني فقط غياب حدث سياسي بل يعني غياب فكرة الاختيار نفسها وغياب معنى أن يكون المواطن شريكًا في القرار لا مجرد متلق له.
ومع الحرب والانقسام تعمقت الأزمة أكثر. لم تعد هناك سلطة واحدة واضحة بل سلطات متعددة وولاءات متشابكة وواقع يجعل من فكرة الدولة نفسها مشروعًا غير مكتمل.
اليمن فالانقسام بلغ درجة التشظي. الانقلاب على الشرعية خلق سلطات متعددة كل منها تدعي الشرعية. بعد أن اجتثت جماعة الحوثي الشرعية المنتخبة أصبحت ترى أن وقف الحرب ربما يكون نهايتها فما بالك بتنظيم انتخابات. فهي ترى في السلطة حقًا إلهيًا. هذه الاعتبارات أضاعت الوطن وأصبح المواطن لا يعرف أيها يمثل الوطن الحقيقي بل صار وطنه هو المنطقة التي يسكن فيها فقط. وطن مصغر بحجم حي لا يصل إليه إلا منطق القوة ولا تحكمه فكرة الدولة بقدر ما تحكمه موازين النفوذ والواقع المفروض حيث تتداخل السلطة مع السيطرة ويغيب القانون لصالح الأمر الواقع ويتراجع مفهوم المواطنة لصالح الانتماء الضيق للمنطقة أو الجماعة أو الحماية المباشرة.
وربما تبدو المأساة اليمنية في بعض أبعادها أكثر تشابكًا وتعقيدًا ليس من باب المفاضلة بين الجراح بل من باب اختلاف طبيعة الأزمة وتعدد مستوياتها.
في فلسطين رغم الانقسام والاحتلال ما زال هناك إطار وطني يُذكر في الخطاب السياسي وما زالت فكرة الدولة حاضرة ولو بشكل منقوص. أما في اليمن فالأزمة وصلت إلى حد التشظي الكامل حيث تتنازع أكثر من سلطة على تعريف الشرعية وتغيب المؤسسات الجامعة ويتراجع مفهوم الوطن لصالح خرائط صغيرة من النفوذ والولاء.
ولهذا حين أقرأ غسان جابر أشعر أن فلسطين رغم جراحها ما زالت تمتلك أفقًا سياسيًا تُطرح فيه الأسئلة من يحكم وكيف يُنتخب ومتى يعود الصندوق.
أما نحن في اليمن فمشكلتنا أعمق في اللحظة الراهنة كيف نبني وطنًا أصلًا قبل أن ننتخب من يحكمه وكيف نعيد الاعتبار لصندوق الاقتراع بعد أن تآكلت مؤسسات الدولة وكيف نعلم جيلاً كاملاً أن الورقة قد تكون أقوى من الرصاصة وكيف نعيد تعريف فكرة الدولة نفسها في وعي الناس.
ولعل الأخطر من كل ذلك أن يصبح الغياب طويلًا لدرجة يفقد معها الناس القدرة على تخيل وجود بديل. فالمأساة ليست فقط في غياب الانتخابات بل في نسيان الناس أنها كانت ممكنة أصلًا.
لذا أقول لزميلي غسان اكتب عن متى ننتخب الوطن فهذا سؤال جميل يليق بشعب لم يمت فيه الأمل وما زال القاموس السياسي فيه حيًا.
وأحيانًا حين يغيب الأصل يصبح الحديث عن تفاصيله ترفًا مؤلمًا لا يستطيع أحد احتماله.
وفي الختام لا يسعني إلا أن أحيي الشعب الفلسطيني الذي ما زال رغم كل ما يعيشه من احتلال وانقسام ومعاناة متمسكًا بفكرة الوطن وبحقه في الاختيار وبإصراره على أن تبقى كلمة الانتخابات جزءًا من قاموسه السياسي والوطني.
كما أوجه التحية والتقدير للأخ الزميل غسان جابر الذي استطاع بجرأة ووضوح أن يضع إصبعه على جرح الديمقراطية وأن يعيد فتح أسئلة مؤجلة حول معنى الشرعية وحدود الصندوق وحق الشعوب في أن تختار مستقبلها كاملًا لا منقوصًا. إن كتاباته ليست مجرد نقد سياسي بل محاولة صادقة للإبقاء على فكرة الوطن حية في زمن تتكاثر فيه الأسئلة الصعبة وتضيق فيه الأجوبة.

زر الذهاب إلى الأعلى