الصين… حين يتحرك العملاق شرقًا وغربًا: حرب إيران، خسائر واشنطن، ومعادلة فلسطين–الخليج التي تُعاد صياغتها

أجنادين نيوز / ANN

بقلم: المهندس غسان جابر – الإتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين العرب أصدقاء وحلفاء الصين رئيس فرع فلسطين.

ليست هذه الحرب التي اشتعلت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد جولة عسكرية تُضاف إلى أرشيف المنطقة المثقل بالدمار. نحن أمام مشهد أكبر من هدير الطائرات، وأخطر من صواريخ تطير فوق مياه الخليج. نحن أمام حرب تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط، وتفتح الباب لحقبة جديدة تتراجع فيها هيمنة واشنطن، بينما يتقدّم العملاق الصيني بخطوات هادئة ولكن محسوبة، تشبه طريقة لاعب شطرنج يعرف أن الوقت يلعب لصالحه.

وفي قلب هذا التحول، تقف فلسطين والخليج، ليس على الهامش، بل في مركز المعادلة. هنا تتقاطع خطوط الطاقة مع خطوط النار، وتتحول الحسابات الصغيرة إلى خرائط كبرى تُكتب من جديد.

أولًا: واشنطن… قوة عظمى تتصرف كمن يدفع فاتورة لم يطلب الطعام أصلًا

قدّرت مراكز أبحاث أمريكية أن الحرب على إيران كلفت أكثر من خمسين مليار دولار في أسابيع قليلة. هذا الرقم ليس مجرد بند في الميزانية؛ إنه صفعة سياسية تُذكّر الأمريكيين بأن الدخول في حرب في الشرق الأوسط يشبه الدخول في متاهة: أنت تعرف من أين بدأت، لكنك لا تعرف أين وكيف ستخرج.

واشنطن تستهلك:

أسطولها البحري في الخليج،

دفاعاتها الصاروخية،

ذخيرتها عالية الدقة،

قواعدها المنتشرة حول المضيق،

وخزان صبر دافعي الضرائب.

والأجمل – أو الأسوأ – أن هذه الكلفة تأتي في وقت يتصاعد فيه التضخم في الداخل الأمريكي، ويتعارك فيه السياسيون على كل شيء، ولا يتفقون سوى على أن “الشرق الأوسط صداع يجب التخلص منه”.، إن الشرق الأوسط لا يترك أحدًا يتخلص منه بسهولة.

أما السخرية التي تليق بمشهد اليوم، فهي أن واشنطن تقاتل باسم “أمن المنطقة”، بينما المنطقة نفسها تتساءل: متى حظينا بالأمان تحت وصايتها أصلًا؟

ثانيًا: الخليج… بين مطرقة الحماية الأمريكية وسندان الغضب الإيراني

دول الخليج لم تختَر الحرب، لكنها وجدت نفسها في قلبها.
أمريكا تطالب بدعم سياسي ومالي ولوجستي، وتشير – دون أن تقول صراحة – إلى أن استمرار المظلة الأمنية يستوجب مزيدًا من الطاعة.
أما إيران، فتتحدث بلغة واضحة: أي تعاون مع القوات الأمريكية يعني دخولًا تلقائيًا في دائرة الرد.

هكذا تحوّل الخليج إلى ما يشبه “طاولة بلياردو دولية”: الجميع يضرب الكرات، والكرة الوحيدة التي لا تتحرك بقرارها هي الخليج نفسه.

هذا الضغط المزدوج فتح الباب أمام لحظة مراجعة تاريخية:
هل يمكن الاعتماد على واشنطن التي تضع أمن إسرائيل فوق كل اعتبار؟
وهل تقبل دول الخليج أن تكون ساحة اختبار لميزان القوى بين واشنطن وطهران؟
السخرية هنا أنّ “كل طرف يطالب الخليج بأن يلتزم معه حتى آخر رمق… بينما لا أحد يلتزم مع الخليج في اللحظات الحاسمة”.

ثالثًا: فلسطين… الحقيقة التي يحاول الجميع إزاحتها عن الطاولة

بينما ترتفع حرارة الحرب في الخليج، تحاول إسرائيل الدفع بكل قوة نحو تحويل الأنظار عن فلسطين. فكل صاروخ يُطلق في الخليج هو – من منظور تل أبيب – وقت إضافي لتهويد الضفة الغربية، وفرض واقع جديد في القدس، ومزيد من التضييق على غزة.

الحرب بالنسبة لإسرائيل فرصة:

لتجفيف دعم إيران للمقاومة،

لجرّ الخليج نحو أجندة أمنية جديدة،

لفرض روايتها أمام العالم المنهك من الأزمات.

وفي العمق، تحاول تل أبيب إعادة تعريف “الخطر الأول” في المنطقة من الاحتلال إلى إيران.
إنه استبدالٌ لمركز الصراع، لا مجرد تغيير في الترتيب.

من منظور فلسطيني، هذه الحرب ليست بعيدة، بل تضرب قلب القضية. فكل توتّر في الخليج يفتح لإسرائيل نافذة لفرض المزيد من الوقائع العنصرية على الأرض.

رابعًا: الخليج–فلسطين… تحالف المصالح وتوازنات المصير

ليست فلسطين مجرد قضية سياسية في الخليج؛ إنها جزء من الوعي الجمعي وشيفرة الشرعية في العالم العربي.
ومع كل حرب في المنطقة، تتأكد حقيقة واضحة:
استقرار الخليج لا ينفصل عن عدالة القضية الفلسطينية.

والحرب الحالية تضع الخليج في لحظة قرار:
هل يستمر في معادلة “الحماية الأمريكية” التي لم تجلب أمنًا ولا استقرارًا؟
أم يبحث عن شراكات جديدة تعيد التوازن للمنطقة؟
الجديد هذه المرة أن الإجابة لم تعد نظرية.
الصين، روسيا، تركيا، وإلى حد ما إيران، أصبحت جميعها أطرافًا قادرة على خلق توازن يكبح الغطرسة الأمريكية–الإسرائيلية.

خامسًا: الصين… اللاعب الذي يدخل من الباب الذي لا ينتبه له أحد

في الوقت الذي تحرق فيه واشنطن ملياراتها في الخليج، تتحرك الصين بهدوء.
لا بوارج، لا قواعد، لا خطب نارية؛ فقط شبكة مصالح:

استثمارات في الموانئ،

خطوط تجارة،

مبادرات سياسية،

حصافة دبلوماسية،

وحسابات طويلة الأمد.

الصين تعرف أن مستقبلها يعبر من مضيق هرمز، وأن استقرار الخليج ليس خيارًا بل ضرورة.
ولهذا تقدمت بمبادرات تهدئة، وضغطت في مجلس الأمن، ووسّعت حضورها الاقتصادي بحيث صار استقرار الخليج مصلحة صينية بقدر ما هو مصلحة خليجية.
اللافت أن الصين لا تعرض “حماية”، بل “شراكة”.
وهذه الكلمة وحدها – في عالم السياسة – كافية لخلق توازن جديد.

ومساحة السخرية هنا أن الصين تجلس في المقعد الخلفي، تراقب واشنطن تُهدر ملياراتها، ثم تقول ببراءة: “نحن هنا فقط من أجل الاستقرار!”

سادسًا: فلسطين في قلب التحولات… نافذة جديدة في عالم يتغير

إذا كان الخليج يعيد قراءة علاقاته، فإن فلسطين تُعيد قراءة خريطة التحالفات.
الصين ليست طرفًا يدعم الاحتلال، ولا قوة تخضع لضغط اللوبيات، بل دولة ترى أن العدالة جزء من صورتها العالمية، وأن دعم القضية الفلسطينية ينسجم مع خطابها الدولي.

هذا لا يعني أن الصين قادرة على حل الصراع، لكنها قادرة على:

موازنة النفوذ الأمريكي في المؤسسات الدولية،

منع إسرائيل من احتكار الرواية العالمية،

دعم مشاريع اقتصادية تخفّف ضغط الاحتلال،

وتقديم غطاء سياسي أكبر للحقوق الفلسطينية.

نقول :المشهد يتغير… والخريطة تُرسم من جديد

الحرب على إيران ليست فصلًا عابرًا، بل نقطة انعطاف.

واشنطن تنزف مالًا ونفوذًا.

الخليج يعيد ترتيب أولوياته.

الصين تتقدم بثبات وهدوء.

وإسرائيل تستغل الفوضى.

لكن الحقيقة الجوهرية تبقى كما هي:
فلسطين هي الامتحان الذي تُقاس عليه صدقية القوى الدولية، والبوصلة التي تكشف اتجاهات الإقليم.

وإذا كان العملاق الصيني قد دخل المشهد، فالسؤال الآن:
هل تستطيع المنطقة تحويل هذا التحول إلى فرصة لإعادة بناء توازن جديد،
أم ستترك الآخرين يقررون مستقبلها مرة أخرى؟

زر الذهاب إلى الأعلى