أمريكا تتهاوى من داخلها.. والصين تعيد رسم الخريطة

أجنادين نيوز /ANN
بقلم نجيب الكمالي – رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين
ليست حربًا باردة جديدة، ولا صراع أيديولوجيات كتلك التي شهدها القرن الماضي. ما يجري اليوم على الساحة العالمية هو انقلاب صامت على نظام القطب الواحد، انقلاب لا تعلنه القنوات ولا توقعه المعاهدات، بل تكتبه تناقضات القوى العظمى على جسد الجغرافيا السياسية.
الولايات المتحدة، التي اعتادت أن تشرع للعالم قوانينه، تجد نفسها اليوم أسيرة جدرانها الداخلية. شرخ في الخطاب، وفجوة في الاقتصاد، وشلل في القرار. ليست أزمة سياسات عابرة، بل أزمة شرعية، كما يصفها المفكرون. القوة التي كانت تحكم العالم بقبضة حديدية، باتت عاجزة حتى عن إدارة صراعاتها الداخلية.
في الطرف الآخر، الصين تراقب بهدوء. لم تندفع نحو المغامرات العسكرية، ولم تستنزف قوتها في حروب لا تنتهي، بل راهنت على تراكم داخلي صلب: استقرار سياسي، ومشروع حضاري يعيد تركيب الماضي مع المستقبل. مبادراتها الاستراتيجية لم تأتِ صدفة، بل كاستراتيجية طويلة النفس تستثمر حيث تترك أمريكا فراغًا.
والشرق الأوسط، الذي طالما كان ساحة اختبار للهيمنة الأمريكية، يتحول اليوم إلى مرآة عاكسة لهذا التحول. التورط في النزاعات لم يعد يثير الرهبة ذاتها، بل أصبح ينم عن تراجع في القدرة على إدارة الملفات المعقدة. في المقابل، الصين تمد جسورها الاقتصادية بهدوء: لا قواعد عسكرية، بل شراكات واستثمارات.
ما نراه ليس نهاية أمريكا المفاجئة، ولا ولادة قطبية صينية خالصة. إنه تحول تاريخي صامت، يعيد توزيع مراكز الثقل في العالم. أمريكا مدعوة اليوم إلى إعادة تعريف دورها في عالم لم يعد يحتمل وصاية أحد. أما الصين، فتمضي بثقة من لا يركض خلف القيادة، بل من يعرف أن القيادة الحقيقية تبدأ عندما تصبح أنت الأكثر استقرارًا بين المتزلزلين.
الصراع اليوم ليس بين واشنطن وبكين فقط، بل بين نموذجين للدولة، ورؤيتين للحضارة، وأخلاقيتين للسلطة. ومن يظن أن الأيام القادمة ستشبه الماضية، فقد نام في محطة القطار بعد رحيل آخر القطارات.



