الأمن الاجتماعي العربي أمام اختبار مصيري: هل تقدّم الصين فرصة أخيرة للنجاة؟

اجنادين نيوز / ANN
بقلم : المهندس غسان جابر – الإتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين العرب أصدقاء وحلفاء الصين – رئيس فرع فلسطين
تواجه المنطقة العربية تحديًا متسارعًا لا يمكن إغفاله: ارتفاع أعداد كبار السن وذوي الإعاقة مقابل ضعف شديد في شبكات الرعاية. وتشير أحدث تقارير الإسكوا إلى أن أقل من ثلث كبار السن في العالم العربي يحصلون على أي نوع من الحماية الاجتماعية، بينما تفتقر معظم الدول إلى منظومة متخصصة للرعاية طويلة الأمد.
وفي ظل توقعات منظمة الصحة العالمية ببلوغ عدد المسنين العرب نحو 85 مليونًا بحلول منتصف القرن، تلوح أزمة اجتماعية حقيقية إذا استمرت السياسات الحالية على حالها.
واقع عربي هشّ
تراجع دور الأسرة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وغياب التشريعات المنظمة للرعاية يمثلون خليطًا خطيرًا يهدد أمن المجتمع. ورغم بعض الخطوات المحدودة في الأردن وتونس والمغرب، فإن المنطقة ما زالت دون نظام شامل يضمن خدمات مستدامة لمن يفقدون القدرة على الاعتماد على أنفسهم. هذه الفجوة، إذا بقيت دون حلول، ستفتح الباب أمام حالة من الاضطراب الاجتماعي يصعب احتواؤها لاحقًا.
النموذج الأمريكي… خيار غير قابل للتطبيق عربيًا
يعتمد النظام الأمريكي على السوق كمحرك رئيسي لخدمات الرعاية، ما يجعله حكرًا على من يملك القدرة المالية. أما البرامج الحكومية هناك، رغم ضخامتها، فهي مرتبطة بقدرات اقتصادية لا تملكها الدول العربية. إضافة إلى ذلك، فإن الثقافة السائدة في المنطقة تقوم على التكافل الأسري والمجتمعي، لا على مبدأ “المقدرة المالية أولًا”. ولهذا فإن استنساخ التجربة الأمريكية سيعمّق الفجوة بدل معالجتها.
الصين… شريك بخبرة جاهزة للاستخدام
تقدم الصين نموذجًا مختلفًا يقوم على التخطيط، والانضباط الإداري، وتحديد دقيق لمستويات الخدمة. وقد بنت خلال أقل من عقد منظومة واسعة تغطي أكثر من 310 ملايين شخص، مع قوائم واضحة للرعاية المعيشية والطبية. ما يجعل التجربة الصينية جذابة للعرب أنها قابلة للتكييف مع الموارد المحدودة، وتعتمد على تقنيات حديثة منخفضة التكلفة، ويمكن تطبيقها تدريجيًا دون أعباء مالية كبيرة.
استثمار الإرث الإسلامي بطريقة معاصرة
يمتلك التراث الإسلامي أدوات قوية للدعم الاجتماعي مثل الزكاة والوقف وصناديق التكافل، لكنها بقيت خارج إطار الإدارة الحديثة. تحويل هذه المبادئ إلى مؤسسات منظمة وقوانين ملزمة سيمنح الدول العربية نموذجًا محليًا قادرًا على خدمة الفئات الأشد احتياجًا دون الاعتماد المطلق على الدولة أو السوق.
غزة… إمكانية واقعية للتعاون مع بكين
يمكن لقطاع غزة الاستفادة من الخبرة الصينية عبر برامج موجهة للرعاية المنزلية، وتدريب الكوادر، وتطوير أنظمة تقييم الاحتياجات الصحية والاجتماعية باستخدام حلول ذكية . هذه الحلول لا تحتاج إلى بنية تحتية ضخمة، بل إرادة تنظيمية واضحة وشراكة فاعلة.
نقول:
الأمن الاجتماعي في العالم العربي يقف عند مفترق طرق. الاستمرار بالنهج الحالي لن يؤدي إلا إلى تفاقم المعاناة وخلق فجوات مجتمعية خطيرة. المطلوب اليوم رؤية جديدة تقوم على:
بناء نظام وطني للرعاية طويلة الأمد
الاستفادة من الخبرة الصينية
تحديث أدوات الدعم الإسلامي
وضع تشريعات توفر خدمات عادلة ومستدامة
إن حماية كبار السن وذوي الإعاقة ليست تفصيلاً ثانويًا، بل هي ركيزة لاستقرار الدول ومستقبلها. والتحرك الآن— و ليس لاحقًا—هو الخيار الوحيد لتجنب أزمة تتجاوز قدرة أي نظام عربي على احتماله.




