نقد ثنائية الحق والباطل وتكريس الحياد الأخلاقي

أجنادين نيوز / ANN
المفكر التنويري فرقد الأغا
في أدبيات الصراعات الكبرى تتردد كثيراً مقولة ( لا حياد بين الحق والباطل). ورغم ما تمنحه هذه العبارة من بريقٍ أخلاقي ظاهري، فإنها تُستعمل في كثير من الأحيان كفخٍّ لغوي وأيديولوجي يُساق به العقل إلى اصطفافات عمياء. فالإشكالية الحقيقية لا تكمن في مبدأ نصرة الحق بحدّ ذاته، بل في السؤال الجوهري: من يملك حق تعريف الحق؟ وكيف يمكن التلاعب بهذا المفهوم لتبرير الانحيازات وشرعنة التبعية.
يقوم المنطق الإقصائي على افتراض أن الساحة الإنسانية محصورة دائماً بين معسكرين؛ أحدهما يجسد الفضيلة المطلقة، والآخر يمثل الرذيلة المحضة. غير أن الواقع التاريخي يكشف أن كثيراً من الصراعات البشرية، سواء كانت دينية أو مذهبية أو قومية، ليست في حقيقتها مواجهة بين حق وباطل، بل تصادماً بين باطلين أو صراع مصالح بين قوى ظالمة تتخذ من الشعارات المقدسة ستاراً يمنح أفعالها شرعية زائفة.
في مثل هذه الحالات لا يعود الحياد موقفاً سلبياً كما يُصوَّر، بل يتحول إلى فعل مقاومة أخلاقي؛ لأنه يعبّر عن رفض المشاركة في جريمة الطرفين، وإعلانٍ صريح بأن العقل لا يقبل أن يتحول إلى وقودٍ في معركة لا تخدم القيم الإنسانية المشتركة.
ولهذا تلجأ خطابات التجييش الديني أو العرقي أو القومي المتعصبة إلى مصادرة حق الإنسان في تحديد موقفه، وتسعى إلى تشويه صورة المحايد بتصويره خائناً أو جباناً، في محاولة لدفع العقل قسراً إلى اختيار أحد القالبين الجاهزين. غير أن الحياد في مثل هذا السياق يمثل موقفاً عقلانياً نقدياً وصوتاً ثالثاً يكشف زيف الادعاءات المتقابلة ويعرّي حدود الخطابين المتصارعين، ويرفض الانخراط في لعبة الاستقطاب التي تخدم مصالح السلطة. وعندما يُقدَّم الصراع بوصفه واجباً مقدساً، يصبح الحياد الأداة القادرة على كسر هذا التزييف.
إن الانحياز لأحد الظالمين بذريعة اختيار «أهون الشرين» ليس فضيلة أخلاقية، بل هو في كثير من الأحيان تخلي عن المبدأ لصالح النفعية السياسية. فالانحياز هنا لا ينتصر للحق بقدر ما يبرر المشاركة في ظلمٍ أقلّ فجاجة، لكنه يظل ظلماً في جوهره.
فالحياد لا يعني الصمت عن الظلم، بل يعني رفض الانخراط في معسكرات الظلم. فإذا كان الصراع قائماً بين قوتين غاشمتين، فإن الانحياز لإحداهما ليس نصرةً للحق، بل انتحار فكري يكرّس منطق الاستقطاب. أما الحياد في مثل هذا السياق فهو انحياز للمبدأ الإنساني الذي يتجاوز حدود الانتماءات العرقية أو المذهبية الضيقة.
ومن هنا يتضح أن القول بأن الانحياز يغلق العقل حقيقة جلية؛ فالمتحيز يرى بعين معسكره لا بعينه هو، بينما يمنح الحياد صاحبه قدرة على الرؤية الشمولية والنقدية. وتبرز جمالية الحياد في حفاظه على استقلالية الذات في زمن القطيع، وفي تأكيده أن الحق ليس بالضرورة ملكاً لأحد طرفي الصراع، بل قد يكون كامناً في رفض الصراع نفسه.
إن الادعاء القائل «لا حياد بين الحق والباطل» قد يكون في بعض السياقات قولاً حقاً، لكنه في كثير من الصراعات يتحول إلى قول حق أُريد به باطل؛ لأنه يفترض مسبقاً أن أحد أطراف النزاع يمثل الحق المطلق، وأن الطرف الآخر يجسد الباطل المحض، وهو افتراض نادر التحقق في صراعات القوى السياسية والمذهبية.
فحين تتصارع قوتان ظالمتان لا يكون الحياد خيانة كما يُصوَّر، بل قد يمثل أعلى درجات النزاهة الأخلاقية. فالانحياز لأحد المعسكرين في مثل هذه الحالة هو تورط في الباطل نفسه، بينما يصبح الحياد انحيازاً للمبدأ لا للأشخاص، وموقفاً إيجابياً يحمي الذات من التلوث بظلم الطرفين، ومن الضروري هنا التفريق بين نوعين من الحياد.
الحياد السلبي وهو الوقوف متفرجاً على مظلوم يُسحق بيد ظالم، وهذا موقف مرفوض أخلاقياً.
الحياد المبدئي وهو الامتناع عن الانخراط في صراع بين قطبين كلاهما ينتهك الكرامة الإنسانية؛ حيث يصبح الحياد في هذه الحالة الموقف الثالث الشجاع الذي يرفض شرعية الصراع من أساسه.
لذلك فإن النصوص التي تذم الحياد بإطلاق تقع في فخ الإقصاء المتعمد؛ لأن الحياد بين معسكرين ظالمين يمثل في جوهره صيانةً للقيم الإنسانية النبيلة من الانحباس في ماهيات الصراع الزائف. أما التحيز المذهبي أو القومي فهو الذي يشوه جمالية الحياد، لأنه يسعى إلى تحويل الإنسان إلى أداة في معركة لا ناقة له فيها ولا جمل.
وفي المقابل تقتضي العقلانية النقدية أن يكون الانحياز للقيمة الإنسانية لا للخندق السياسي، وللمبدأ لا للمعسكر.
فالحياد عندما يكون الصراع بين شرّين قد يصبح أسمى صور الخير.




