دلالات ومفهوم السنة الصينية وعلاقتها برموز الحيوانات

أجنادين نيوز / ANN
بقلم الاستاذة الدكتورة خديجة عللي المتخصصة في العلاقات العربية الصينية
عضو الإتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين اصدقاء وحلفاء الصين فرع المملكة المغربية
تُعدّ السنة الصينية، أو ما يُعرف برأس السنة القمرية، من أهم المناسبات الثقافية والحضارية في الصين وشرق آسيا، إذ تمثل لحظة انتقال زمني وروحي واجتماعي عميق الدلالة. ولا تقتصر أهميتها على كونها بداية تقويم جديد، بل تتجاوز ذلك لتكون منظومة رمزية متكاملة تتداخل فيها الأسطورة بالتاريخ، والفلك بالفلسفة، والطقوس بالحياة اليومية. ويبرز ضمن هذه المنظومة نظام **الأبراج الحيوانية** الذي يمنح كل سنة رمزًا حيوانيًا خاصًا، يحمل دلالات نفسية واجتماعية وثقافية متوارثة عبر آلاف السنين.
أولًا: الجذور التاريخية للسنة الصينية
يرتبط التقويم الصيني بنظام زمني قمري-شمسي يعود إلى العصور الزراعية المبكرة، حيث اعتمد الصينيون على حركة القمر لتنظيم المواسم الزراعية والشعائر الدينية. ومع تطور الدولة الصينية القديمة، أصبح رأس السنة مناسبة رسمية للاحتفال ببداية الربيع وتجدد الحياة، ولذلك يُطلق عليه أيضًا **عيد الربيع**.
وقد لعبت الأساطير دورًا مهمًا في ترسيخ طقوس هذه المناسبة. ومن أشهرها أسطورة الوحش “نيان” الذي كان يظهر في نهاية كل عام، فيخيف الناس ويدمر محاصيلهم، فابتكروا طقوسًا لطرده مثل إشعال المفرقعات وتعليق الزينة الحمراء. ومع مرور الزمن تحولت هذه الممارسات إلى تقاليد احتفالية راسخة تعبّر عن طرد الشر واستقبال الخير.
ثانيًا: مفهوم السنة الصينية في البعد الثقافي والفلسفي
لا تُفهم السنة الصينية بوصفها حدثًا زمنيًا فحسب، بل باعتبارها دورة كونية تعكس فلسفة التوازن بين الإنسان والطبيعة. فالتقويم الصيني يقوم على تفاعل عنصرين أساسيين:
1. **دورة الأبراج الحيوانية (12 سنة)**
2. **دورة العناصر الخمسة**: الخشب، النار، الأرض، المعدن، الماء
ويؤدي تداخل هاتين الدورتين إلى تشكيل نظام زمني معقّد يمتد لستين عامًا، يُعتقد أنه يؤثر في شخصيات الأفراد وحظوظهم ومساراتهم الحياتية.
وترتبط هذه الرؤية بالفلسفات الصينية الكبرى، مثل الطاوية والكونفوشيوسية، التي تؤكد الانسجام بين قوى الكون وتوازن “اليِن واليانغ”
ثالثًا: أسطورة الأبراج الحيوانية ونشأتها
تُرجع الروايات الشعبية نشأة ترتيب الحيوانات إلى مسابقة أسطورية نظمها الإمبراطور اليشمي لاختيار حراس الزمن. ودعا جميع الحيوانات لعبور نهر، ومن يصل أولًا يُمنح موقعًا متقدمًا في التقويم.
فجاء الترتيب على النحو الآتي:
1. الفأر
2. الثور
3. النمر
4. الأرنب
5. التنين
6. الحية
7. الحصان
8. الماعز
9. القرد
10. الديك
11. الكلب
12. الخنزير
ولا يعكس هذا الترتيب القوة الجسدية بقدر ما يرمز إلى الذكاء أو المثابرة أو الحيلة، كما في قصة الفأر الذي سبق الجميع بدهائه
رابعًا: الدلالات الرمزية للحيوانات
يحمل كل حيوان مجموعة من الصفات التي يُعتقد أنها تنعكس على مواليد سنته، ومن أبرزها:
* **التنين**: القوة والهيبة والحظ الاستثنائي
* **النمر**: الشجاعة وروح القيادة
* **الأرنب**: اللطف والدبلوماسية
* **الحصان**: الحرية والطاقة والحركة
* **القرد**: الذكاء والابتكار
* **الكلب**: الوفاء والعدالة
وتُستخدم هذه الرموز في التنجيم الشعبي، واختيار مواعيد الزواج، وقرارات العمل، بل وحتى في توقعات الاقتصاد أحيانًا.
خامسًا: السنة الصينية كجسر حضاري
مع توسع التبادل التجاري عبر طريق الحرير، انتقلت رمزية الأبراج والسنة القمرية إلى ثقافات آسيوية عديدة مثل كوريا وفيتنام واليابان. واليوم أصبحت الاحتفالات تقام في مختلف دول العالم، ما يعكس البعد الكوني للثقافة الصينية.
وتتجلى هذه العالمية في:
* العروض التنينية
* رقصات الأسد
* الولائم العائلية
* توزيع “الظروف الحمراء” للهدايا
وكلها طقوس تؤكد قيم التضامن الأسري والازدهار والبركة.
سادسًا: الأبعاد المعاصرة لرموز السنة الصينية
في العصر الحديث، تجاوزت رمزية الحيوانات بعدها الفلكلوري لتدخل مجالات:
* **الاقتصاد**: استخدام رمز الحيوان في الحملات التجارية
* **الفنون**: تصميم الطوابع والعملات
* **الدبلوماسية الثقافية**: توظيف الرمز في التبادل الحضاري
* **الإعلام الرقمي**: إنتاج محتوى احتفالي عالمي
وهكذا تحولت الأبراج من معتقد شعبي إلى أداة قوة ناعمة تعكس الهوية الصينية عالميًا.
إن السنة الصينية ليست مجرد احتفال سنوي، بل منظومة رمزية متجذرة في التاريخ والأسطورة والفلسفة. ومن خلال نظام الحيوانات الاثني عشر، استطاع الخيال الصيني أن يمنح الزمن روحًا وشخصية، وأن يربط الإنسان بدورات الطبيعة والكون.
وتبقى دلالات هذه السنة شاهدًا على عبقرية الثقافة الصينية في تحويل التقويم إلى لغة رمزية جامعة، تُقرأ فيها ملامح الحظ، وتُستحضر عبرها الذاكرة الحضارية، ويُستشرف من خلالها أفق المستقبل.




