التسامح الاستراتيجي: سر القوة المستدامة للصين

اجنادين نيوز / ANN
بقلم نجيب الكمالي، رئيس دائرة العلاقات العامة بالاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين فرع اليمن
صعود الصين على الساحة العالمية اليوم لا يمكن فهمه من زاوية الاقتصاد أو القوة العسكرية فحسب، بل عبر قدرتها على توظيف الموارد البشرية والإبداع، وتبنّي نهج يُعرف بـ”التسامح الاستراتيجي”. هذا المفهوم ليس مجرد انفتاح أخلاقي أو ديني، بل استراتيجية واضحة تسمح للمواهب والكوادر المبدعة من مختلف الخلفيات بالعمل والابتكار، بما يعزز القوة والتقدم للدولة المركزية.
من خلال الاستثمار الهائل في البحث والتطوير، وبناء بيئة علمية وتشغيلية تحفّز الابتكار، أصبحت الصين مركزًا عالميًا للابتكار في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة. وقد نجحت الدولة في جذب شركات ومراكز بحث عالمية للعمل على أراضيها، ما يعكس قدرتها على تحويل التنوع البشري والمهارات المتعددة إلى قوة اقتصادية وعلمية مستدامة.
على النقيض، تواجه الولايات المتحدة تحديات متزايدة نتيجة تراجع انفتاحها على التعاون العلمي الدولي وفرض قيود على التبادل الأكاديمي مع الصين بحجة الأمن القومي، وهو ما يهدد قدرتها على الحفاظ على تفوقها التقليدي في الابتكار. الصعود الصيني اليوم يظهر أن القوة لا تُقاس فقط بالمدافع والجيش، بل بقدرة الدولة على توظيف العقول المبدعة، واستثمار المعرفة، وبناء شبكات تعاون دولية واسعة، كما يظهر أن الانغلاق يؤدي إلى استنزاف المهارات وتراجع القوة على المدى الطويل.
هذا النهج الصيني لا يقتصر على الاقتصاد أو التكنولوجيا فحسب، بل يمتد إلى السياسة الخارجية، حيث تعمل الصين على توسيع نفوذها عبر مبادرات عالمية مثل “الحزام والطريق”، التي تعكس قدرتها على دمج المصالح الاقتصادية مع التعاون الدولي، بما يضمن موقعها كقوة متعددة الأقطاب، قادرة على مواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين بطريقة مستدامة ومستندة إلى مواردها البشرية.
يمكن أن نتعلم من تجربة الصين درسًا واضحًا: التسامح الاستراتيجي مع الكفاءات والمبدعين، وإتاحة المجال للتنوع في العمل والابتكار، يشكل الركيزة الأساسية لبناء قوة مستدامة، سواء اقتصادية أو علمية أو سياسية. بينما الانغلاق والتعصب يضعف أي مشروع، ويترك المجال للقوى التقليدية أو المتشددة لإعادة إنتاج القديم باسم الحداثة أو المشروعية.
الصين اليوم مثال حي على أن الدولة القوية ليست تلك التي تحتكر السلطة أو القوة العسكرية فحسب، بل تلك التي تعرف كيف توظف طاقات شعبها وابتكاراته، وتحافظ على شبكة علاقات دولية تعزز من مكانتها العالمية، وتمنحها القدرة على المنافسة في المستقبل. والدرس الأبرز أن القوة الحقيقية تبنى على الإنسان، على الإبداع، وعلى الانفتاح الاستراتيجي، وليس على الانغلاق أو الاحتكار، وأن من يتجاهل هذه الحقيقة قد يواجه مصير القوى العظمى السابقة التي فقدت بريقها بسبب ضيق الأفق والجمود على الطرق التقليدية.




