قراءة لكتاب الاستاذ وارف قميحة الموسوم ” شينجيانغ رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار “

احنادين نيوز / ANN
بقلم الاستاذة الدكتورة خديجة عللي
متخصصة في العلاقات العربية الصينية
المملكة المغربية الشريفة
**تقديم**
في ظلّ التحوّلات المتسارعة التي تشهدها العلاقات العربية-الصينية، وما يرافقها من تنامٍ لدوائر الاهتمام الأكاديمي والثقافي المتبادل، تبرز الحاجة إلى أعمال معرفية تنقل الصورة من المجرّد النظري إلى المعايشة الحيّة، ومن التحليل البعيد إلى الشهادة القريبة. وفي هذا السياق، يأتي كتاب الأستاذ **وارف قميحة** الموسوم بـ **«شينجيانغ: رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار»** بوصفه عملًا يجمع بين أدب الرحلة والرصد الحضاري والقراءة التنموية، مقدّمًا للقارئ العربي نافذة إنسانية ومعرفية على إقليم شينجيانغ.
ينتمي هذا الكتاب إلى نمطٍ خاص من الكتابات التي تتأسّس على التجربة الشخصية المباشرة، حيث لا يكتفي المؤلف بوصف المكان، بل ينخرط في تفاصيله اليومية، مستكشفًا الإنسان والثقافة وأنماط العيش، وراصدًا التحوّلات التي يشهدها الإقليم في مسارات التنمية والاستقرار. ومن خلال هذه المعايشة، تتشكّل أمام القارئ صورة مركّبة لشينجيانغ: فضاءٌ تتجاور فيه الهويّات الثقافية، وتتفاعل داخله الذاكرة التاريخية مع مشاريع التحديث، في مشهدٍ يعكس دينامية الصين المعاصرة في تنوّعها ووحدتها.
وبصفتي **باحثة أكاديمية متخصصة في العلاقات العربية-الصينية**، أجدني أقرأ هذا العمل من زاويتين متكاملتين: زاوية البحث العلمي، وزاوية التجربة الميدانية. فقد أتيحت لي، على امتداد سنوات من الاشتغال الأكاديمي، فرصة زيارة عددٍ من المدن الصينية، والاحتكاك المباشر بمؤسساتها الثقافية والعلمية، ومعايشة بعض تجاربها التنموية عن قرب. وقد أسهمت تلك الزيارات في تعميق فهمي لطبيعة التحوّلات التي يعرفها المجتمع الصيني، وفي إدراك التنوّع الثقافي والإثني الذي يشكّل أحد أعمدة ثرائه الحضاري.
من هذا المنطلق، لمستُ في صفحات هذا الكتاب صدًى لتجارب معايَنة عشتُ بعض أبعادها بنفسي، سواء في ما يتعلّق بحضور الإنسان في قلب المشروع التنموي، أو في ما يرتبط بحرص الدولة والمجتمع على صون الموروث الثقافي ضمن مسار التحديث. فالمؤلف ينجح في نقل شينجيانغ لا كحيّز جغرافي فحسب، بل كفضاء إنساني نابض، تتجلّى فيه مظاهر الجمال الطبيعي، وتتنوع فيه التعبيرات الثقافية، وتنعكس فيه نتائج السياسات التنموية على تفاصيل الحياة اليومية للسكان.
كما تتجلّى أهمية هذا العمل في كونه يرفد المكتبة العربية بنصٍّ يوسّع دوائر المعرفة بالصين من خارج الأطر النمطية، ويقدّم مادةً وصفية وتحليلية تسهم في تعزيز الفهم المتبادل، وهو ما يشكّل ركيزة أساسية في مسار بناء جسور الحوار الحضاري بين العالم العربي والصين. فالرحلة هنا ليست انتقالًا مكانيًا فقط، بل هي انتقال معرفي وثقافي، يقرّب المسافات الذهنية، ويعيد تشكيل الصور المتبادلة على أساس المعايشة لا الانطباع.
إن «شينجيانغ: رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار» عمل يجمع بين متعة السرد وعمق الدلالة، ويعكس جهدًا توثيقيًا وإنسانيًا يسعى إلى التقاط تجليات الجمال ومعاني السعادة ومؤشرات الازدهار في واقعٍ متحرّك. وهو بذلك يقدّم للقارئ العربي نصًا يثري المعرفة، ويحفّز التأمل، ويدعو إلى قراءة الصين بعيونٍ منفتحة على التعدّد، ومدركةٍ لأهمية التواصل الحضاري في عالمٍ يتّجه أكثر فأكثر نحو التشابك والتكامل.




