المظاهرات والإضراب والاعتصام في الدستور العراقي: دراسة في الأساس الدستوري والقيود القانونية

اجنادين نيوز / ANN
المحامي غازي عناد غيلان
تُعدّ المظاهرات والإضراب والاعتصام من أهم وسائل التعبير الجماعي التي كفلها الدستور العراقي ضمن إطار الحقوق والحريات العامة، إذ نصّ الدستور في المادة (38) على كفالة حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل، وحرية الاجتماع والتظاهر السلمي، على أن تُنظم هذه الحقوق بقانون وبما لا يُخلّ بالنظام العام والآداب. وانطلاقاً من هذا النص الدستوري، تُعدّ المظاهرات وسيلة مشروعة للتعبير العلني والمؤقت عن المطالب السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، شريطة أن تكون سلمية وأن تلتزم بالضوابط القانونية التي تفرضها القوانين النافذة، كالحصول على الموافقات الأصولية وعدم الإضرار بالممتلكات العامة أو الخاصة. أما الإضراب، فرغم كونه أحد أشكال الاحتجاج، إلا أنه يختلف من حيث طبيعته القانونية، إذ يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعلاقة العمل والوظيفة، ويُعد امتناعاً منظماً عن أداء العمل بهدف الضغط لتحقيق مطالب مهنية أو وظيفية. وفي القانون العراقي، يُنظر إلى الإضراب بنوع من الحذر، لا سيما فيما يتعلق بالموظفين العموميين، لما قد يترتب عليه من تعطيل للمرافق العامة التي يُفترض أن تعمل بانتظام واستمرار، وهو ما يجعل مشروعيته مقيدة بضوابط أشد مقارنة بالمظاهرات، وبما يحقق التوازن بين حق العامل في الاحتجاج وحق المجتمع في استمرار الخدمات الأساسية. أما الاعتصام، فيُعد من الناحية القانونية صورة وسطى بين المظاهرة والإضراب، إذ يجمع بين التعبير العلني والاستمرارية في المكان، وقد يتضمن في بعض الحالات توقفاً غير مباشر عن العمل. ويُستفاد من النصوص الدستورية والمبادئ العامة للقانون أن الاعتصام يكون مشروعاً متى ما التزم بالسلمية ولم يتحول إلى احتلال غير قانوني للمباني العامة أو تعطيل المرافق الحيوية أو الإضرار بحقوق الآخرين. ومن وجهة نظر قانونية، فإن المعيار الفاصل في مشروعية المظاهرات والإضراب والاعتصام لا يكمن في التسمية، بل في الأثر المترتب عليها ومدى التزامها بالإطار الدستوري والقانوني. فالرأي القانوني الراجح يرى أن الاحتجاج السلمي حق مكفول، لكنه ليس حقاً مطلقاً، بل يخضع لقيود تهدف إلى حماية النظام العام وضمان حسن سير المرافق العامة. وعليه، فإن الاستخدام الواعي والمنظم لهذه الوسائل، مع احترام القانون، يعزز من شرعيتها ويجعلها أداة فاعلة في تحقيق المطالب دون الانزلاق إلى الفوضى أو المساس بسيادة القانون، وهو ما يشكل الأساس الحقيقي لأي ممارسة ديمقراطية سليمة في الدولة. من الناحية الدستورية، تُعدّ المظاهرات والإضراب والاعتصام من صور ممارسة الحق في التعبير والاجتماع السلمي الذي كفله الدستور العراقي صراحةً، ولا سيما في المادة (38) منه، التي نصّت على كفالة حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل، وحرية الاجتماع والتظاهر السلمي، على أن تُنظم هذه الحقوق بقانون وبما لا يُخلّ بالنظام العام والآداب. وبموجب هذا الأساس الدستوري، تُعدّ المظاهرات الشكل الأوضح لممارسة هذا الحق، لكونها تجمعاً علنياً مؤقتاً يهدف إلى إيصال موقف أو مطلب معين للرأي العام والسلطات المختصة. أما الاعتصام، فيندرج هو الآخر ضمن حرية الاجتماع، لكنه يتميز بالاستمرارية في المكان والزمان، ما يجعله خاضعاً لرقابة قانونية أشد إذا تجاوز حدود السلمية أو أدى إلى تعطيل المرافق العامة. في حين أن الإضراب، رغم عدم النص عليه صراحة في المادة (38)، يُستمد مشروعيته من المبادئ العامة للحقوق والحريات، إلا أنه يبقى أكثر تقييداً من الناحية الدستورية، خاصةً عندما يتعلق بالموظفين العموميين، نظراً لارتباطه المباشر بحسن سير المرافق العامة التي يحرص الدستور على انتظامها واستمرارها. أما من حيث الرأي القانوني، فإن الفقه القانوني يميّز بين هذه الوسائل ليس على أساس تسميتها، بل على أساس أثرها القانوني والعملي. فالمظاهرة تُعد وسيلة ضغط معنوية وإعلامية لا يترتب عليها، في الأصل، تعطيل مباشر للوظيفة أو العمل، ولذلك تكون مشروعيتها أوسع متى ما التزمت بالسلمية والإجراءات القانونية. في المقابل، يُنظر إلى الإضراب بوصفه وسيلة ضغط مادية تقوم على الامتناع عن العمل، وهو ما يجعله أكثر حساسية من الناحية القانونية، إذ قد يؤدي إلى الإضرار بالمصلحة العامة، الأمر الذي يبرر إخضاعه لقيود وضوابط صارمة. أما الاعتصام، فيمثل وضعاً وسطاً، إذ قد يكون مشروعاً إذا اقتصر على التعبير السلمي، لكنه يفقد مشروعيته إذا تحول إلى احتلال غير قانوني للأماكن العامة أو عرقلة أعمال المؤسسات. ويرى الرأي القانوني الراجح أن التوازن بين حماية الحقوق الدستورية للأفراد والجماعات من جهة، وحماية النظام العام وضمان استمرار المرافق العامة من جهة أخرى، هو المعيار الحاسم في تقييم مشروعية المظاهرات والإضراب والاعتصام، وبذلك يكون الاحتجاج أداة قانونية مشروعة متى ما استُخدم بوعي واحترام لسيادة القانون.




