حوارات مع المبدعين: الروائية والمهندسة المدنية زينب غسان خضور

اجنادين نيوز / ANN
حاورها: كمال الحجامي
تطل علينا الكاتبة السورية زينب غسان خضور، التي استطاعت ببراعة أن تحجز مكانها في مشهد الأدب العربي المعاصر كنموذج للكاتبة التي تراهن على جودة الكلمة. فتميزت مسيرة زينب بحقيقة ملفتة؛ وهي أن كل رواية من رواياتها السبع قد فُرضت بقوة نصها ورصانة طرحها، مما جعلها تُقبل للنشر المجاني في دور نشر عريقة وتفوز بمسابقات أدبية كبرى دون أن تتكلف عناء البحث عن التمويل، إيماناً منها بأن النص الحقيقي هو الذي يطرق أبواب الناشرين ويحجز مكانه بجدارته الخالصة.
من “برزخ المقهى الرمادي” التي توجت بجائزة “سومريون” الكبرى، إلى “الخطيئة التي تُغتفر”، “الذكرى التي لا تُشترى”، و”مرآة تفيض بالأرواح”، وصولاً إلى “لحظات سماوية”، “غربة النزوح” و”أصوات مؤجلة”، استطاعت زينب أن تبني صرحاً أدبياً يجمع بين دقة الهندسة وسيولة السرد. واليوم تفتح لنا قلبها وعقلها في هذه الحوارية الشيقة لتحدثنا عن تجربتها وأعمالها القادمة.
1. كيف تستخدمين الكتابة أداة تعبيرية من التجارب الإنسانية وقيمة أساسية في عالمنا الحاضر؟
الكتابة طريقتي في تنظيم المشاعر المبعثرة؛ ففي ظل تسارع الحياة، أجد في الورق مساحة هادئة تمنحني فرصة لتأمل تجاربنا الإنسانية بعمق. أكتب محاولةً أن أمنح صوتاً لتلك التفاصيل التي تمر بنا يومياً ونغفل عنها، ولأوثق وجعاً أو حنيناً قد يضيع في زحام الماديات. النص بالنسبة لي هو الجسر الذي يربط بين واقعنا وبين القيم التي تجعلنا أكثر إنسانية.
2. الرواية مرآة ناطقة.. كيف تتابعين شخوصك وتجعلينها سلسة ومتاحة للمتلقي؟
أنا أصدق شخوصي، وهذا الصدق هو ما يجعلها تصل للقارئ بانسيابية. في رواياتي، أمنح الشخصية مساحة لتتحرك بعفوية، وأراقب ردود أفعالها تجاه الأحداث كما لو كانت كائناً حياً. السلاسة تأتي حين يشعر القارئ أن هذه الشخصية تشبهه في حيرتها أو قوتها. عندما كتبت “أصوات مؤجلة” أو “الخطيئة التي تُغتفر”، كنت أبحث عن الإنسان الحقيقي الذي يخطئ ويصيب، وهذا التقارب هو ما يخلق حالة من الإدراك المتبادل بيني وبين المتلقي.
3. إلى أي مدى يتأثر اتجاهكِ السردي بمن سبقوكِ من الروائيين والقصاصين؟
القراءة المستمرة هي المنبع الذي يغذي خيال أي كاتب، وتراكم التجارب الأدبية السابقة يمنحنا الأدوات اللازمة لبناء عوالمنا. تأثري بمن سبقوني يظهر في احترامي لبنية النص وقوة اللغة، لكنني أحرص دائماً على أن يكون المسار السردي خاصاً بي. أحاول أن أمزج بين دقة الملاحظة وبين الخيال الرحب لأصنع تجربة تعبر عن رؤيتي الشخصية للحياة والناس.
4. الكتابة للأطفال مجال فعال.. ماذا أعددتِ لهذه البراعم الصغيرة؟
عالم الطفولة يمثل لي مشروعاً مستقبلياً أحمله بالكثير من الشغف والمسؤولية. حالياً، أنا في مرحلة البحث والتأمل في كيفية صياغة حكايات تليق بذكاء وخيال أطفالنا اليوم. أطمح في خطواتي القادمة أن أقدم لهم نصوصاً تزرع فيهم الدهشة والقيم الجمالية، وتكون بمثابة رفيق يؤنس طفولتهم ويظل عالقاً في ذاكرتهم كذكريات طيبة ترافقهم حين يكبرون.
5. كيف تنظمين وقتكِ بين العمل في الهندسة المدنية وبين الإبداع الروائي؟
أجد في الهندسة والرواية تكاملاً مدهشاً؛ فالهندسة علمتني كيف أبني هيكلاً متيناً للنص، والرواية تمنحني الروح التي تسكن هذا البناء. أنظم وقتي من خلال منح كل مجال حقه من التركيز؛ فبينما أحتاج للدقة في عملي الهندسي، أترك لمخيلتي الحرية المطلقة في ساعات الكتابة. السر يكمن في الشغف؛ فحين يكون الأدب حاجة داخلية، يصبح الوقت طوع يديك لتخلق منه لحظات إبداع حقيقية.
6. كيف تتابعين الملتقيات الثقافية وتساهمين في دعم الطاقات والأفكار المستقبلية؟
الملتقيات الثقافية هي الرئة التي يتنفس منها الأدب، ومتابعتي لها تنبع من إيماني بأهمية الحوار وتبادل الخبرات. أحاول دائماً أن أكون حاضرة ومساهمة في تشجيع كل موهبة واعدة، لأن دعم الأفكار الجديدة هو ما يضمن استمرارية الإبداع وتطوره. نحن بحاجة دائمة لمناخ ثقافي يحتضن الجميع ويفتح آفاقاً لرؤى مستقبلية طموحة.
7. يُلاحظ في مسيرتكِ الروائية أن أعمالكِ السبع صدرت عن دور نشر عريقة، كيف تنظرين إلى معادلة النشر اليوم؟
أؤمن تماماً بأن النص الحقيقي هو الذي يطرق أبواب الناشرين ويحجز مكانه بجودته لا بغير ذلك. بالنسبة لي، الكتابة موقف وقيمة، لذا لم ولن أدفع يوماً مقابل نشر أعمالي؛ فأنا أراهن دائماً على قوة النص. أحرص على التقديم في مسابقات النشر المجاني والمنصات التي تُقدر الأدب الرصين، والحمد لله، كان التوفيق حليفي دائماً بالقبول في دور نشر كبرى دون أن أتكلف شيئاً. هذا النجاح هو تأكيد على أن العمل المتقن يفرض نفسه بجدارته الإبداعية فقط.
8. ماذا في مختبركِ السردي من أعمال قادمة؟
مختبري السردي يعج دائماً بالأسئلة التي تبحث عن شكل، فبعد توثيق أوجاع الفقد والتهجير في رواية “غربة النزوح”، والغوص في سايكولوجيا الذاكرة والطفولة في “أصوات مؤجلة”، أعمل حالياً على نص روائي مختلف في طرحه. هو عمل يمزج بين الخيال والواقع، انطلق من صدمة فقد شخصية جعلتني أتأمل في قيمة الزمن. تدور الفكرة حول عالم خيالي تُعامل فيه الأعمار كأنها أرصدة في بنوك، حيث يمكننا التنازل عن سنوات من عمرنا لمن نحبهم لنبقيهم معنا وقتاً أطول. هي محاولة أدبية لمساءلة فكرة التضحية والقدر، وأطمح أن يلامس هذا العمل قلوب القراء ويعيد تعريف مفهومنا للوقت والحياة.




