حرب المفاجأة المؤجَّلة: من سيبدأ حين يصبح الانتظار أخطر من الضربة؟

اجنادين نيوز / ANN
المحامي محمد سمير الأمارة
الضربة التي لا يتخيّلها العالم: حين تتحوّل المفاجأة إلى كسرٍ للزمن لا للسلاح
في الحروب الكبرى، لا تكون الصدمة دائماً في عدد الصواريخ ولا في اتساع الدمار، بل في الحدث الذي لم يكن العالم مهيأً لتصديقه. هناك ضربات تُقاس بآثارها المادية، وضربات أُخرى تُقاس بما تكسره في الوعي الجمعي. الثانية هي الأخطر، لأنها لا تُصيب هدفاً فحسب، بل تُعيد ترتيب الزمن السياسي كله.
الحرب المرتقبة بين إيران والولايات المتحدة، إن وقعت، لن تبدأ من سؤال القوة، بل من سؤال المفاجأة: من يملك الجرأة على إنتاج حدث لا يدخل في حسابات الردع السائدة؟ ومن يجرؤ على إخراج الصراع من منطق التوقع إلى منطق الكسر؟
الولايات المتحدة، بوصفها مركز النظام الدولي، لا تحتاج إلى المفاجأة. هي تعيش على تراكم الهيمنة، وعلى افتراض أن رموزها العسكرية ليست موضوع اختبار بل أدوات ردع نهائي. هذه الرموز وعلى رأسها حاملات الطائرات لم تعد منصات قتال بقدر ما صارت علامات سيادة عائمة، تقول للعالم: نحن هنا لأننا فوق المساس.
لكن الخطورة الحقيقية لا تكمن في هذه الرمزية، بل في قبول العالم بها دون اختبار. حين يتحول الرمز إلى مسلّمة، يصبح الردع قدراً، ويغدو التفوق واقعاً ميتافيزيقياً لا سياسياً. هنا، لا يعود الصراع بين دولتين، بل بين واقع مُقدَّس وإرادة تحاول إثبات أن هذا الواقع قابل للكسر.
الضربة التي “لا يدركها العالم” ليست ضربة تدمير، بل ضربة نزع قداسة. هي الحدث الذي يخرج من خارج المعادلة، فيُظهر أن ما جرى التعامل معه بوصفه غير قابل للمساس، لم يكن كذلك إلا لأن أحداً لم يجرؤ على تخيّل المساس به. في هذه اللحظة، لا يتغيّر ميزان القوة فحسب، بل ميزان الإدراك العالمي.
كارل شميت يربط السيادة بلحظة الاستثناء: اللحظة التي يُعلَّق فيها ما كان يُظن قانوناً ثابتاً. المفاجأة الحقيقية في الحروب ليست في الضربة الأولى، بل في تعليق القاعدة التي حكمت ما قبلها. حين يحدث ذلك، يدخل التاريخ طوراً جديداً، حتى لو لم تُحسم الحرب.
من هنا، يصبح الامتناع الطويل عن كسر الرمز أخطر من كسره. لأن الرمز غير المختبَر لا يكتفي بالردع، بل يبدأ بابتلاع الزمن السياسي للآخرين. كل تأجيل يعمّق اللامساواة الوجودية، وكل انتظار يرسّخ فكرة أن طرفاً ما خُلِق ليضرب، وطرفاً آخر خُلِق ليتجنّب.
ريمون آرون نبّه إلى أن التفوق الردعي حين ينفصل عن التوازن لا ينتج استقراراً، بل انفجاراً مؤجلاً. التفوق غير المختبَر لا يبقى محايداً؛ إنه يعيد هندسة الصراع بحيث تصبح المفاجأة، لاحقاً، حكراً على من يملك الهيمنة أصلاً. وعندها، لا تعود الضربة خياراً، بل مصيراً يُفرض من الخارج.
في هذا السياق، لا تُفهم فكرة كسر الرمز بوصفها بحثاً عن نصر عسكري، بل بوصفها محاولة لمنع تحوّل الخصم إلى قدر تاريخي. ليست رغبة في إشعال الحرب، بل رفض لأن تُدار الحرب المقبلة إن وقعت وفق شروط لم يشارك الطرف الآخر في صياغتها.
وعليه ان ميزان القوة المعاصر ينص، لا تُحسم المعارك بما يُدمَّر، بل بما يُنزَع عنه طابع الاستحالة. ومن هنا، فإن الحديث عن ضربة حاملة الطائرات لا يُقرأ كفعل عسكري بقدر ما يُقرأ كـحدث كاسر للأسطورة. فالحاملة ليست قطعة سلاح عائمة، بل علامة سيادة، ورمز تفوق رُفع طويلاً إلى مقام ما لا يُمسّ.
ما لم تُختبر هذه الرمزية، يبقى الردع يعمل في اتجاه واحد، وتبقى الوجودية المقابلة متضخّمة، قادرة على ابتلاع الزمن قبل ابتلاع الجغرافيا. أما كسر الرمز مهما كان الثمن فيعيده من مقام القدر إلى مقام السياسة، ومن صورة الإله إلى حجم الفاعل القابل للحساب.
ليست المسألة في غرق الحديد، ولا في خسارة الأرواح، بل في الأثر الذي يترسّخ في وعي العالم: أن ما قُدِّم طويلاً بوصفه خارج الاحتمال، داخل الاحتمال. عندها فقط يُعاد تعريف الأحجام، ويُسحب التفوق من السماء إلى الأرض، ويُجبر الجميع على إعادة التفكير لا في نتائج الحرب، بل في شروطها.
أما ترك حاملة الطائرات قائمة بوصفها رمزاً غير قابل للمساس، فليس تعقلاً ولا ضبط نفس، بل قبولٌ صامت بأن الوجودية المتضخّمة ستأكل خصمها لاحقاً، لا بضربة واحدة، بل بتآكل بطيء لا يُرى إلا عند النهاية.




