من أجل بيئة عمل آمنة

اجنادين نيوز / ANN
الدكتورة كريمة الحفناوي عضو الإتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين، رئيس فرع جمهورية مصر العربية

يحتفل العالم فى الأول من مايو من كل عام بيوم العمال العالمى، كيوم للتضامن مع الطبقة العاملة، وهو يوم عطلة رسمية فى معظم بلدان العالم، يخرج فيه العمال حاملين لافتات بمطالبهم لتحسين ظروف العمل، وتحسين أحوالهم المعيشية.
ولليوم العالمى للعمال حكاية بدأت مع بداية الثورة الصناعية فى بريطانيا، التى حوَّلت حياة العمال فى المصانع الكبيرة إلى جحيم، حيث كانت ساعات العمل تتراوح بين 10 – 16 ساعة يوميا، بجانب استخدام عمالة الأطفال، دون توافر للأمن الصناعى أو الصحى، مع انتشار الأمراض والأوبئة بين العمال.
من هنا بدأت حركة عمالية واسعة لجعل يوم العمل 8 ساعات وذلك فى إبريل عام 1856 وبعد عشر سنوات تناولت رابطة العمل الدولية مطلب 8 ساعات عمل فى اليوم عام 1866، وذلك من أجل تحسين ظروف الطبقة العاملة. وفى هذا اليوم خرجت مظاهرة كبيرة من 80 ألف عامل واستمرت عدة أيام، وانضم لها أكثر من 400 ألف عامل هاجمتهم الشرطة، وقُتِل عدد من العمال وأصيب أكثر من 200 بجروح بالغة، وتم إلقاء القبض على عدد من العمال، وحكم على 5 منهم بالإعدام، بدعوى أنهم تسببوا فى أحداث العنف واتضح بعد ذلك براءتهم.
بعدعشرين عاما قرر اتحاد النقابات العمالية فى شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية اعتبار 1 مايو1886 “يوم العمل قانونا 8 ساعات.
مازال العمال فى معظم دول العالم يعانون من مواجهة العنف فى أماكن العمل بكافة أشكاله العنف البدنى واللفظى والجنسى، مع عدم توافر شروط السلامة والصحة المهنية، بجانب التمييز القائم على النوع وخاصة فى بلداننا العربية حيث الثقافة المجتمعية التى تميز بين الرجل والمرأة، مما يترتب عليه عدم المساواة فى الأجر والتعيين والترقية.
وبالرغم من إصدار منظمة العمل الدولية إتفاقية خاصة بحماية العاملات فى المنازل (189 لعام 2018)، والاتفاقية (190 لعام 2019)، الخاصة بمناهضة العنف فى أماكن العمل، إلا أن معظم الدول لم تقم بتوقيعها حتى الآن وخاصة جميع بلداننا العربية، مما يترتب عليه وقوع جميع أشكال العنف ضد العمال وخاصة الأطفال الذين لايخضعون لأى شروط خاصة بحمايتهم، وعدد معين من ساعات العمل، وعدم تشغيلهم فى أعمال خطرة.
يجىء الاحتفال بعيد العمال هذا العام 2026، وسط معاناة العمال فى أنحاء العالم من تعنت أصحاب العمل، وفصل وتشريد عدد من العمال فصلا تعسفيا، مع زيادة البطالة والفقر والهجرة غير الشرعية والتضخم وغلاء الأسعار، نتيجة للأزمات الاقتصادية التى تجتاح العالم فى السنوات الأخيرة.
ويجىء اليوم العالمى للعمال فى الأول من مايو هذا العام مع استمرارالسياسات النيو ليبرالية المتوحشة، التى أججت الحروب وأشعلت الفتن والصراعات فى العديد من دول العالم، مما كان له الأثر على الاقتصاد العالمى وأدى إلى مزيد من التضخم والغلاء وفقدان فرص العمل، وأدى إلى اتساع الفجوة الطبقية داخل البلدان النامية مع مزيد من الإفقار للطبقات الفقيرة والمهمشة وفى مقدمتها الطبقة العاملة.
ولنتخذ مثلا على آثار الحروب والصراعات على الطبقة العاملة فى السودان، حيث كان من تداعيات الحرب المستعرة منذ ثلاثة أعوام بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع “الجنجويد”، نزحح أكثر من 8 ملايين من الشعب السودانى فى الداخل ولجوء أكثر من 2 مليون مواطن إلى الدول المجاورة مما أدى إلى ترك عمال الزراعة لأراضيهم، والعاملين فى العديد من المجالات، فكانت النتيجة انتشار المجاعة فى السودان، وزيادة معدلات الفقر، والفقر المدقع وزيادة معدلات البطالة.
وفى فلسطين ومع استمرار العدوان الصهيونى المتوحش على الشعب الفلسطنى فى قطاع غزة والضفة الغربية منذ أكتوبر 2023، يعانى مئات الآلاف من العمال الفلسطينيين من فقدان فرص العمل، نتيجة لسياسات الكيان من الإغلاق، ومنع العمال من الوصول لأماكن عملهم عبر العديد من الحواجز، مع استمرار استهداف الفلسطينيين سواء بالقتل أو الاعتقال، هذا بجانب معاناة العمال الزراعيين من فقدان العمل فى الأراضى الزراعية، نتيجة آلاف الأطنان من المتفجرات التى ألقتها الألة الجهنمية الحربية الصهيونية، والتى كان من نتيجتها تدمير البيئة الزراعية، ونتيجة أيضا لهجوم المستوطنين المتوحشين على القرى واقتلاع الزرع والمحصول وأشجار الزيتون بل وإشعال الحريق فى بعض القرى.
إننا فى هذا اليوم نوجه نداءً إلى عمال العالم بنصرة فلسطين ومساندة ودعم المقاومة الفلسطينية، والضغط على حكوماتهم، من أجل وقف الحرب فورا وإعادة إعمار غزة، وإدخال المساعدات الإنسانية من غذاء ودواء ومستلزمات طبية وحياتية للشعب الفلسطينى.
كما نوجه نداءً إلى الشعوب العربية والعمال العرب بالضغط على حكوماتهم من أجل مقاطعة الكيان الصهيونى اقصاديا ودبلوماسيا وسياسيا ورياضيا وفنيا وأكاديميا، ووقف التطبيع، وإلغاء جميع الاتفاقات مع العدو الصهيونى.
إننا فى الأول من مايو من هذا العام 2026، نقدم التحية للعمال الفلسطينيين الصامدين الذين لا تنكسر إرادتهم أبد الدهر ويواصلون التحدى والتصدى للعدو الصهيونى الغادر، رافعين شعاراتهم (لن نرحل، لن نركع، لن نستسلم، النصر أو الشهادة، الأرض العزة والشرف والكرمة).
ونقدم التحية لكل عمال الدول الذين وقفوا بجانب الحق الفلسطينى وعملوا على عرقلة الأسلحة والمعدات العسكرية المتجهة إلى الكيان الصهيونى، ومن هذه الدول إيطاليا واليونان وأسبانيا وبلجيكا وفرنسا وكندا والهند وجنوب إفريقيا وبعض الموانىء فى الولايات المتحدة الأمريكية (أوكلاند وتاكوما وسان فرانسيسكو).
كما أننا فى اليوم العالمى للعمال نطالب الحكومات بالتوقيع على الاتفاقية (190) الخاصة بمناهضة العنف فى عالم العمل، وسن تشريعات وقوانين لحماية العمال حيث هم الطرف الأضعف فى منظومة العمل (صاحب العمل والعامل).
يحيا كفاح الطبقة العاملة من أجل بيئة عمل آمنة وعمل لائق والحق فى إنشاء منظماتهم النقابية المستقلة وأجر عادل، ومن أجل عالم يسوده السلام والأمان، عالم خالٍ من الصراعات والحروب.

زر الذهاب إلى الأعلى