حين غادر آخرُ حُرّاسِ النُّبل
من [ مذكرات الأغا على جدران الزمن ] 11 / 5 /2022

أجنادين نيوز / ANN
حين يغادر آخر حراس النبل، لا يغادر فقط شخص، بل يغادر عالم بأكمله من الأمان والصفاء والهدوء الداخلي. هذه الحكاية ليست عن الموت فحسب، بل عن لحظة تصادم الروح مع الفقد، عن الصمت الذي يصرخ، وعن القلوب التي تتعلم أن تحزن جماعياً حين يغيب من كانوا يحملون في وجودهم كل معنى للنبل والوفاء. هنا تبدأ رحلتنا مع ذاك الذي ترك فراغاً لا يملؤه شيء ( ذو الفقار ) .
بين طيات هذا النص ليس مجرد سردٍ لفاجعة، بل هو توثيقٌ دقيق للحظة انكسارٍ إنسانيّ كامل، لحظةٍ يصبح فيها تأجيل الخبر فعلاً وجودياً، ومحاولةً يائسة لحماية من نحب من صدمةٍ لا يمكن احتواؤها. بين طيات هذه القصة لا يُروى الموت بوصفه نهاية، بل بوصفه اقتحاماً صاعقاً لطمأنينة الحياة، وامتحاناً قاسياً لقدرة القلب على الاحتمال.
كانت الساعةُ تشيرُ إلى السادسةِ والنصفِ مساءً في الثامنِ والعشرين من نيسان ، موعدٌ لم يكن في حساباتِ الزمن إلا فاجعةً موقوتة. في تلك اللحظة، اهتزَّ الهاتفُ في كفي برسائل من “تاليا” و”يافا” لم تكن حروفاً بل كانت شظايا أصابت سويداء قلبي. اضطرب نبضي اضطراباً لم أعهده، وتسارعت دقاته كطبولِ حربٍ خاسرة، وغزتني حُمّى مباغتة، أنهكت جسدي حتى غدوتُ نحيلاً لا أقوى على الوقوف، فيما أخذتِ الأرضُ تدورُ بي، كأنها تفقدُ ثباتَها تحتَ قدمي وكأنَّ جاذبيةَ الوجودِ قدِ انفرطَ عقدُها. أمواجٌ عاتيةٌ من الحزنِ الكونيِّ تجتاحُ روحي وتقتلعُ السكينةَ من جذورها.
في الجهة الأخرى من البيت في المطبخ كانت “ملايكا” قائمةً تعدُّ طعام الإفطار صامتةً، وكأنها لا تشعر بالزمن الذي يتساقط حولها كأوراق الخريف. نحن نودّعُ أواخر أيام رمضان لعام 2022 ، ورائحة الطعام تمتزج ببرودة الموت التي بدأت تتسلل إلى البيت، تتربص بخطواتنا وهمساتنا.
يا رباه! كيف لي أن أقتحم طمأنينتها؟ كيف أخبرها أن صيامها اليوم سينتهي بفطرٍ من لوعةٍ تكاد تخنق الروح وتقطّع الصدر أشلاءً من صمت محمل بالوجع؟
الروح فزعة، مرتعشة، كأن قيامتها قد قامت الآن، وكل نبضة فيها تصرخ بلا صوت. وكأنني في تلك اللحظة أسمع نداء ملاك الموت يتردد في أصداء الملكوت بصيحةٍ تخلع القلوب وتشقُّ كبد السماء (أن قد غادركم ذو الفقار). الصمت يزداد ثقلًا، كل شيء حولي يتحول إلى صدى للرعب واللوعة التي تتسلل في العروق، كأن الموت نفسه يراقبنا من خلف الجدران.
ذو الفقار.. ذلك النبيل الذي نبت من صخر مدينةٍ نائية في أقصى “إدلب” حيث تعانق الجبال الوديان وتصقل النفوس بصلابة الحجر ونقاء الغيم. هناك ولد عام 1984 ومن هناك حمل طموحه اكمل دراسة الفيزياء حتى نال فيها درجة الدكتوراه، لكن علمه لم يطمس تواضعه، وذكاءه لم يلوث طهر قلبه، وعاش حياته كما تُسطر الحكايات النبيلة، حتى جاء يوم الثامن والعشرون من نيسان عام ألفين واثنان وعشرين، الذي ودّع فيه هذا العالم الموحش المليء بالقسوة والظلم .
يا إلهي ماذا أفعل في حضرة هذا الذهول؟ بدافعٍ غريزي مشحون بالخوف عليها، سارعتُ لحذف الرسائل كي لا تقع عيناها على الفجيعة قبل الأوان. أغلقتُ شبكة “الواي فاي” وخبأتُ الهاتف في ركنٍ بعيد كأنه جمرةٌ تحرقني. كانت “ملايكا” لا تزال في المطبخ، تتحرك بوقار الصائمين، بينما كنتُ أجرُّ قدماي نحو دار أهلي بخطواتٍ تتثاقل كأنني أحملُ جبال الارض فوق ظهري.
هناك في دار أهلي أطفأتُ شبكة الإنترنت تماماً، كأنني أحاول عزل العالم عن هذا النبأ المؤلم. استقبلتني أمي بنظرةٍ فاحصة:
ما بك يا بني؟ ولماذا أطفأت الشبكة؟
دون مقدمات وبصوتٍ مخنوقٍ بالدمع، انفجر السر:
رحل ذو الفقار يا أمي.
صرخت أمي بالويل وكادت صرختها تُسمع من في الدار، فرجوتها متوسلاً:
بالله عليكِ يا أمي لا تخبري أحداً حتى لا يتسلل الخبر إلى ملايكا. دعي النبأ طي الكتمان حتى تتناول إفطارها، دعيني أهيئ قلبها لتقبل هذا المصاب .
اصفر وجهُ أمي كأوراق الخريف وانهمرت دموعها على خديها. وفي تلك اللحظة فقط، سمحتُ لدموعي أن تهطل كماءٍ منهمر. بقيتُ خارج الدار لبرهة أغسل وجهي بالبكاء، أستجمع ما تبقى من صبر لأواجه اللحظة القادمة.
كان المساء قد حل كفكفتُ دموعي وتماسكتُ بقوةٍ تفتت الصخر، دخلتُ الدار وبالرغم من تصنعي الثبات استشعرت ياسمين برادارات قلبها أنَّ شيئاً ما قد انكسر في فضاء البيت. نظرت إليّ بحيرة وقالت:
ما بك؟ وجهك شاحبٌ أصفر، والحزن يعلو ملامحك كغيمة سوداء .
تظاهرتُ بالوهن وقلت:
لا شيء ربما هو تعب الصيام فحسب .
سألتني بلهفة:
لماذا إذن لا تأكل؟ .
أجبتها بصدقٍ مرير: لا أستسيغ شيئاً .
قالت وهي تضع يدها على صدرها:
وأنا أيضاً أشعر بألمٍ يسري في جسدي، صدري ضيق ولا رغبة لي في الطعام .
ثم سألت السؤال الذي كنت أخشاه:
فرقد.. أين الهاتف؟ .
أجبتها بتهرب: لا أعلم أكملي طعامك وسنبحث عنه معاً .
أنهت طعامها وبدأت رحلة البحث المحموم عن هاتفها، تتساءل تُتمتم :
لا توجد شبكة! لا يوجد نت! لماذا لم يبعث لي أحد خبراً عن ذو الفقار؟ ما أقساهن ما بيعرفوا إني غريبة وبعيدة عنهن!
كانت تردد كلماتها الشامية بوجعٍ يمزق أحشائي. قامت بتثاقل لِتُعِدَّ الشاي، فتبعتها وقفتُ أمامها أحدقُ في ملامحها، كأنني أودع آخر لحظات هدوئها. سألتني بارتياب:
ما بك يا فرقد؟!.
كان سؤالها محملاً بترقبٍ خفي، كأنها تعرف الإجابة وتخشى سماعها. تلعثم لساني هربت الحروف مني:
هااا.. لا شيء.. لا شيء .
رجعتُ إلى الغرفة بخطىً مرهقة. تأخرت ” ملايكا ” في المطبخ، فبدأتُ أسأل نفسي: هل يستغرق إعداد الشاي كل هذا الوقت؟ عدتُ إليها، فإذا بي أجدها قد انهارت حصونها؛ كانت تجهش بالبكاء لا إرادياً، تذرف الدموع وهي لا تزال تتشبث بخيطٍ رفيع من أمل، بتباشير قد يحملها الرُسل. استشعر فؤادها الموت قبل أن تسمعه.
سألتها: ما بك يا ملايكا؟.
فأجابت بفتور وانكسار يهزُّ الوجدان:
أشمُّ رائحة الموت يا فرقد .
حَملتُ الشاي إلى الغرفة وهي متكئة على كتفي تائهة، وقالت لي:
في عصر هذا اليوم، أخبرتني يافا وتاليا أن ذو الفقار قد رفعوا الأجهزة عنه.. لماذا؟ لماذا فعلوا ذلك؟ .
انفجرت دموعي كفيضانات سِجّام، لم أعد أحتمل القناع، فأجبتها محاولاً تهوين الصدمة:
يبدو أنه دخل مرحلة الموت السريري .
استفسرت بلهفة الغريق:
وماذا يعني؟ هل لا يزال في غيبوبته؟ .
قلت لها “نعم” كذبة بيضاء أردت بها تأجيل الانهيار الكلي لدقائق أخرى.
طُرق الباب.. إنها والدتي. جاءت تتساءل عن الأخبار متظاهرةً بالجهل، لكن الدموع كانت تسكن أطراف مقلتيها. جلست بالقرب من ” ملايكا” في صمتٍ ثقيل. في تلك اللحظة، فتحت ” ملايكا ” شبكة “الواي فاي” انفتح باب الجحيم.
يافا تجيب على الرسائل بكلماتٍ كأنها رصاص:
“قد مات ذو الفقار”.
ما بين الصدمة والمشهد الضبابي حاولت “تاليا” أن تصبّر شقيقتها:
هو لم يمت، لا يزال في غيبوبته، لا تتشائمي.
لكن “يافا” ردت بعويلٍ يمزق الحجب:
بل قد مات! .
وقفت ملايكا مذهولة، أغلقت الهاتف وهي لا تصدق، ثم اتصلت بـ”تاليا” لتستعلم عن الحقيقة. كانتا تواسيان بعضهما بأملٍ مفقود يتشبثان بالسراب.
كنا نترقب بصمتٍ مميت أنا وأمي. فجأة أشاحت “تاليا” بناظريها عنا، ورهفت سمعها نحو النافذة:
اصمتوا.. في المسجد ينعون أحدهم.. من؟ .
وفجأة ملأت صيحات الناعي سماء “جوزف” صوتٌ شق سكون الليل: (كل نفس ذائقة الموت.. انتقل إلى رحمة الله تعالى المرحوم الدكتور ذو الفقار المحمود).
نزل النبأ كصاعقةٍ دمرت كل شيء. صرخن، تباكين، اهتزت أركان الغرفة بنواحٍ لا ينتهي. سقطت ” ملايكا ” مغشياً عليها، احتضنتها أمي وهي تصرخ، وأصوات النواح تنبعث من الهاتف كجيوش حزنٍ تغزونا من كل جانب. سكبنا الماء على وجهها، استفاقت لتستأنف صراخها المرّ.
”تسنيم” ابنة الأربعة أشهر وشقيقتها “شام” التي لم تكمل عامها الثاني، أصابهما الذعر من هول الصراخ، فحملتهما مهرولاً إلى دار أهلي لأبعدهما عن مسرح الفجيعة. سمع والدي صراخ ملايكا، سألني بذهول:
ماذا حدث؟ .
قلت له: “قد رحل ذو الفقار ”
هو الآخر هطلت دموعه، ضرب بكفيه على فخذيه وقال بحسرة: “يا حيف!”.
تأهب الجميع، بكى البيتُ كله. عدتُ مسرعاً إلى داري، فوجدت ” ملايكا ” كأنها تفارق الحياة من عظم المصيبة، هائمة في باحة الدار، عيناها شاخصتان نحو السماء، تندب شقيقها بدموعٍ لا تعرف التوقف. في تلك الأثناء اتصلت زوجة الفقيد، تبادلتا العزاء بنواحٍ يقطع نياط القلب، رددت زوجته عباراتٍ ستبقى وشماً من الأسى السرمدي:
مات ذو الفقار.. لم يكمل الأربعين حبيبي.. من لي بعدك يا حبيبي؟ .
امتزجت الدموع بالأشجان وتوحد الوجع عبر اسيا وأوروبا؛ ففي أقصى الشمال من بلاد الشام، على قمة الجبل كان الأب المفجوع يجلس وحيداً ينعى ولده، يتنفس الصعداء وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، يئنُّ أنيناً أبكى جبال “إدلب” الصماء. وأمٌّ ثكلى كان صمتها ونظراتها ودموعها تتحدث عن وجعٍ لو صُبَّ على الجبال لأذابها.
وفي تلك اللحظات كان الانكسار يمتدُّ لِيخنق صدور أشقاء “ذو الفقار ” في ديار الغربة بأوروبا، هناك حيث الصقيع لا يرحم وحشة الفقد، وحيث المسافات تتحول إلى سجونٍ، كانوا يندبون شقيقهم بقلوبٍ مزقها الحنين والندم، تائهين في شوارع غريبة لا تفهم لغة نحيبهم، يصارعون وجعاً مضاعفاً: وجع الرحيل المر، ووجع الغربة التي حرمتهم حتى من إلقاء نظرة الوداع الأخيرة على جسده النحيل المتعب، أو لمس ثرى قبره. خيّم الذهول والانكسار على الجميع، وغدت القلوبُ تنبضُ باسم “ذو الفقار”.
مرَّ الليلُ ثقيلاً تقضى بالأسى والحسرة، لا تسمع فيه إلا همهمة الرجال المحزونين وعويل النساء الجريح. عند الثالثة بعد منتصف الليل، سمعتُ أنيناً أرق عيوني، تتبعتُ الصوت، فإذا بـ “ملايكا ” جالسة في ركنٍ من زوايا البيت، منكسرة كغصنٍ يتيم.
آه يا ذو الفقار! أبكيت عيوناً، وأدميت قلوباً، وأرقت بفراقك جفوناً لم تعرف السهر إلا معك. ماذا عساي أن أفعل؟ لا أملكُ إلا هذه الكلمات أحاول بها تصبير قلب ملايكا، رغم أن المصيبة أكبر من كل اللغات.
”يا ملايكا.. سنجعل من قلوبنا قبراً لذو الفقار، ومن دموعنا غسلاً له، وسأجعل حروفي كافوراً يطيب ذكراه، وسأخيط له من حروفي كفناً يليق بجمال روحه ونقائها وطهارة جسده النحيل المتعب.
نهضت ملايكا توضأت بماء الدموع واليقين، وبدأت ترتل دعاءً حزيناً، تستغفر لروح أخيها وتودعه في أمان الله، حيث لا وجع ولا تعب.
وما إن خفتت الأصوات واستقرّ الحزن كثقلٍ أبديّ على الصدور، حتى انفتح بابٌ آخر من الوداع. في صباح اليوم التالي رفعت “يافا” هاتفها وفتحت الكاميرا، كأنها تشقّ نافذةً بين عالمين لتمنح الغائبين حقّ النظرة الأخيرة.
هناك… في قلب الجبال، حيث وُلدت الحكاية أول مرة، كان “ذو الفقار” يُعاد إلى صمت الأرض.
النعش محمولٌ على أكتافٍ أنهكها الفقد والوجوه مبلّلة بدموعٍ لا تجفّ.
الجبال التي طالما شهدت صلابته، بدت في تلك اللحظة كأنها تنحني، والريح تمرّ مثقلةً بأنينٍ خفيّ.
كانت “إدلب” كلّها في المشهد… لا كمدينة، بل ككائنٍ حيّ ينوح.
الأزقّة، البيوت، المآذن، وحتى الحجارة؛ كلّها كانت تضجّ بالبكاء، وتعلن حدادها بصمتٍ مهيب.
صوتُ التشييع يتردّد بين السفوح، يتكسر صداه، ثم يعود كأنه نشيدُ حزنٍ لا ينتهي.
اقتربت الكاميرا أكثر… وجهٌ مسجّى بسلامٍ لا يشبه هذا العالم، كأن الموت لم يكن نهاية، بل عودةٌ إلى نقاءٍ أول.
وفي تلك اللحظة، لم يعد الفراق حدثاً، بل حقيقةً كاملة لا تقبل التأجيل.
انطفأت الشاشة…
لكن المشهد لم ينطفئ في القلوب.
وظلّ “ذو الفقار” هناك…
ليس في قبرٍ بين الجبال،
بل في ذاكرة الأرض،
وفي قلوبٍ تعلّمت متأخرةً
أن النبل… حين يرحل، لا يُعوَّض.




