” الدولة المتأكلة وجباية الخوف “

اجنادين نيوز / ANN
كتب / الصحفي مصعب البياتي
حين تدار الازمات من جيوب الفقراء
في زمن الأزمات تقاس قوة الدولة بقدرتها على حماية مجتمعها لا باستنزافه
ولكن عندما تفقد توازنها لا تعلن انهيارها صراحة بل تهمس به عبر قرارات تثقل
كاهل المجتمع وتكشف خوف السلطة على بقائها ، وفي هذه اللحظات تصبح السياسات المالية مرآة للوهن السياسي ، لا مشروعا للإنقاذ بل محاولة لتأجيل المصير
فحين تضعف الدولة لا ينهار جدارها دفعة واحدة بل يبدأ التشقق من الداخل
صامتا ، خفيا ، حتى يتآكل الهيكل وتغدو السلطة جسدا ينهشه الفساد من أعماقه ، وعند تلك اللحظة لا يعود القرار فعل حكمة بل ردة فعل ،
ولا يصبح الوطن غاية بل وسيلة نجاة لمن يقفون على قمة الهرم ويرمقون القاع بلا اكتراث ، وحينها في لحظات الاختناق هذه تتخذ القرارات العاجلة لا لإنقاذ المجتمع بل لإنقاذ الكراسي ، ويغدو المواطن بذلك تفصيلا هامشيا في معادلة البقاء السياسي
ومن بين تلك القرارات ، يبرز قرار فرض الضرائب على ” المشتريات ” كعلامة فاضحة على عجز متجذر ، وكأن السلطة تمد يدها إلى جيوب الناس لتسد ثقوب سفينتها المثقوبة ، غير آبهة عن غرق الركاب جميعا
وليس في هذا القرار جديد ، فالتاريخ يعيد نفسه حين يصر الساسة على تجاهل دروسه ، فالدولة التي تعجز عن محاسبة الفساد تلجأ إلى أسهل الطرق في ” إنهاك من لا صوت لهم ” ، بضرائب الاستهلاك التي لا تفرق بين يد ممتلئة وأخرى خاوية ، بل تعمل على تسوية الجميع تحت وطأة العبء ذاته ، فتثقل الفقير وتنهك المتوسط ، فيما يظل المتخم في مأمن من العاصفة
ومن هنا ترتفع الأسعار كمد بطيء ، ويتسلل التضخم كضباب كثيف ، فتضيق سبل العيش ، وتختنق البيوت الصغيرة أولا ، أما الدولة فتفضل هذا الطريق دون سواه لأنه لا يتطلب جهازا اداريا قويا ، ولا رقابة حقيقية ، ولا عدالة ضريبية ، بل قرارا يوقع في الأعلى ، ووجعا يتوزع في الأسفل
وكم يشبه هذا المشهد نهايات الإمبراطوريات المنهكة ، فالدولة العثمانية حين أرهقها الوهن وتراخت قبضتها ، احتمت بالضرائب غير المباشرة ، فذبلت الثقة وتراكم الغضب حتى صار ” السخط ” لغة الناس اليومية
وفي فرنسا قبيل ثورتها حين أثقلتها الديون وحصنت نبلاءها من المساءلة ، حملت العامة عبء الاستهلاك ، فكان الغضب شرارة وكانت الثورة جوابا
وما بين الأمس واليوم تتكرر الحكاية بأسماء مختلفة
فهناك دول في ” أمريكا اللاتينية ” سلكت الطريق ذاته حين عجزت عن ضبط اقتصادها ومحاربة التهرب ، فارتفعت ضرائب القيمة المضافة ، وازداد التفاوت ، واشتد الاحتقان
ويبدو اليوم أن العراق يساق إلى الدرب نفسه ، حيث يطالب المواطن بدفع فاتورة إخفاقات لم يكن يوما شريكا في صناعتها
فقد تراكمت الديون بصمت ، وتضخمت النفقات ، وتهاوت الإيرادات مع تقلب أسعار النفط ، فكان الحل الأسهل هو الاقتراب من جيب المواطن بدل الاقتراب من بؤر الفساد ، وهكذا تدار الأزمات حين يخشى الضوء ، وحين تصبح المحاسبة خطرا والعدالة تهديدا
إن هذه الخطوة لا تحمل في طياتها إنقاذا بل تأجيلا للسقوط
إنها تؤجج الغليان الكامن تحت السطح ، وتوسع شقوق الثقة بين الدولة ومجتمعها ، وتمهد لاحتجاجات لا تولد فجأة بل تنضج ببطء في وجدان الناس
فما لم يصحح المسار ، وما لم يبتر الفساد من جذوره ، ستظل الدولة تدور في حلقة ” مفرغة ” تشتد فيها قبضة الجباية كلما ازداد الوهن ، إلى أن تبلغ نقطة
لا يعود بعدها شيء كما كان ، وحينها لن تكون الضرائب سوى شاهد آخر على طريق طالما قاد إلى ما لا يحمد عقباه ..




