جامعة السعيد.. منارة العلم في قلب مدينة تعز الحالمة

اجنادين نيوز / ANN

بقلم: نجيب الكمالي

هُنا، في حضن جبل صبر الذي يراقب المدينة بعينيه الساهرتين، وحيث تتعانق أشعة الشمس مع قمم المرتفعات الخضراء، ترتفع جامعة السعيد كجوهرة معمارية تتوسط سهول تعز الوادعة. إنها ليست مجرد جامعة، بل مدينة صغيرة تتنفس بعمق، تروي ظمأ العقول المتعطشة للمعرفة، وتحتضن آلاف الأحلام التي ترفرف في فضاءاتها الرحبة. حين تمشي بين المساحات الخضراء التي تمتد كأنهار من الأمل، وتتنقل بين الممرات التي تحمل صمتها قصص الريادة، تشعر أن الحرم الجامعي أكثر من مجرد مكان؛ إنه فضاء حي يختلط فيه ضحكات الطلاب بأصوات الأجهزة الحديثة، وتتمازج فيه المعدات المتطورة مع الفكر الطموح في المختبرات العلمية والطبية، لتصبح كل لحظة تجربة لا تُنسى، وكل مختبر بوابة نحو المستقبل المجهول الذي ينتظر من يكتشفه.

وإذا ما تحدثنا عن هذه الأسطورة، فلابد أن نقف عند الرجل الذي يقف خلفها، الدكتور سامح العريقي، الذي لم يعد مجرد رئيس للجامعة، بل أصبح بمثابة حكيم يجلس في بهو المكتبة الرئيسية يحكي للطلاب قصص العلماء والمبتكرين. أتذكر تلك الندوة الشهيرة “تعلّم كيف تتعلم في ظل الذكاء الاصطناعي” حيث كان الجو ممطراً ذلك اليوم وتجمع الطلاب في القاعة الكبيرة، دخل الدكتور سامح ليس ببدلة رسمية بل بابتسامته الواسعة التي اعتدناها، وقال بصوته الهادئ: “أيها الأحبة، الذكاء الاصطناعي سيغير العالم، لكنه لن يغير شيئاً واحداً: عقولكم التي تفكر، وقلوبكم التي تشعر، وأرواحكم التي تتوق للمعرفة. التكنولوجيا مجرد أدوات، أما أنتم فالصنّاع الحقيقيون.” كانت الكلمات تسقط كندى الصباح على قلوب الطلاب، وفي تلك اللحظة أدرك الجميع أنهم ليسوا مجرد طلاب في جامعة، بل رواد في رحلة إنسانية عظيمة.

في مختبرات كلية الطب، حيث تتراص الأجهزة الحديثة كجنود في معركة العلم، تقف إحدى الطالبات أمام المجهر تنظر إلى عينة غامضة ثم تبتسم.. لقد اكتشفت شيئاً صغيراً قد يقود إلى بحث كبير. هناك، في هذا المختبر، تهمس الطالبة لمن يجاورها: “هذا المختبر ليس مجرد غرفة بأجهزة، إنه عالمي الخاص. هنا، كل مرة أكتشف فيها شيئاً جديداً، أشعر أنني أملك العالم.” وفي مختبر الذكاء الاصطناعي، يجلس أحد الطلاب أمام شاشة كبيرة يراقب خوارزمية تعلم آلي وهو يدربها على التعرف على الأمراض من الصور الإشعاعية، يتذكر كلمات الدكتور سامح في ندوة الأمس “أنتم من سيكتب المستقبل”، ثم يعود إلى عمله بإصرار من يعلم أنه يصنع شيئاً عظيماً. أما المكتبة المركزية، فهي معبد العلم الحقيقي، رواق طويل تمتد على جانبيه آلاف الكتب وفي نهايته نافذة زجاجية كبيرة تطل على المدينة بأكملها. في إحدى زواياها، تجد إحدى الطالبات وقد انغمست في قراءة رواية قديمة، وحولها كتب الشعر تتراص مع الموسوعات العلمية، تقول في نفسها: “عندما أدخل المكتبة، أشعر أنني دخلت محطة زمنية. أستطيع أن أتحدث مع المتنبي، ثم أناقش أينشتاين، ثم أسافر مع نجيب محفوظ في أزقة القاهرة القديمة. كل ذلك وأنا جالسة في مكاني هذا.”

لم تكتف الجامعة بجدرانها، بل فتحت نوافذها على العالم، فالمنصة التدريبية الدولية المجانية التي أطلقتها جامعة السعيد جعلت كل طالب يمتلك شهادة معتمدة دولياً، وأصبح بإمكانهم منافسة أقرانهم في أرقى جامعات العالم. وبرنامج بكالوريوس الذكاء الاصطناعي، الأول من نوعه في المنطقة، فتح آفاقاً جديدة للطلاب لاستكشاف عوالم الروبوتات وتحليل البيانات الضخمة وصناعة مستقبل لم نكن نتخيله إلا في أفلام الخيال العلمي. كما وفرت الجامعة التخفيضات الدراسية والاعتمادات الطبية الدولية، لتوسيع دائرة الفرص لكل طالب، وجعل الحلم ممكناً لكل فكرة وطموح.

تفتح جامعة السعيد أبوابها لكل الطلاب، وتخلق بيئة تعليمية تتكامل فيها النظرية بالتطبيق، حيث تُجرى ورش العمل والجولات الميدانية والتجارب المختبرية لتزرع في الطلاب روح الابتكار وحب الاستكشاف. كل فعالية، كل زيارة، وكل مشروع جديد يضيف فصلاً جديداً إلى أسطورة الجامعة، ويؤكد أن التعلم ليس مجرد حفظ، بل رحلة حية تُشعل فضول العقل وتحرر الفكر. عندما يحل المساء وتضاء الأنوار الخافتة في أرجاء الحرم الجامعي، يصبح المكان أشبه بلوحة زيتية ساحرة، الطلاب يتفرقون لكن الجامعة لا تنام، ففي مكاتب الأساتذة لا تزال الأضواء مشتعلة، وبعض الطلاب المجتهدين يواصلون أبحاثهم في المعامل، وحدها النجمة اللامعة في سماء تعز هي من تراقب هذا المشهد البهي، وكأنها تقول: “هكذا تصنع الحضارات”.

في كل ركن من أركان الحرم الجامعي، من المباني المهيبة إلى المساحات الخضراء، ومن المختبرات المجهزة بأحدث التقنيات إلى القاعات الدراسية التي تفيض بالإلهام، يمكن أن تشعر بسحر هذه المدينة الصغيرة التي أبدعها سامح العريقي. كل زاوية تحكي قصة، وكل مختبر يهمس بفكرة قد تغير العالم، وكل نافذة تفتح على فضاء لا حدود له من الإمكانات والمعرفة. جامعة السعيد اليوم، ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل هي فكرة تجسدت على أرض الواقع، هي رسالة إلى كل شاب وفتاة في اليمن: أن الأحلام ممكنة، أن العلم نور، وأن المستقبل يكتبه من يؤمن به. هنا، في قلب تعز، حيث تلتقي الجبال بالسماء، والعقل بالروح، والشغف بالإرادة، يصبح كل شيء ممكناً. هنا، يولد الأمل من رحم المعاناة، ويصنع الرواد من رحم التحديات. هنا، جامعة السعيد.. منارة العلم في مدينة تعز الحالمة، حيث يصبح كل حلم ممكناً، وكل فكرة قابلة للتحقيق، وكل طالب جزءاً من أسطورة التعليم والتميز والإبداع التي تمتد بلا حدود.

هنا، حيث يلتقي العقل بالروح، والفكر بالشغف، يُكتب المستقبل جيلاً بعد جيل، وتظل جامعة السعيد المكان الذي يصنع الرواد، ويزرع الطموح، ويضيء الطريق للأجيال القادمة نحو المعرفة والريادة والابتكار.

زر الذهاب إلى الأعلى