من الصين نتعلم: الحرية والاقتصاد يمكن أن يسيرا جنبًا إلى جنب

أجنادين نيوز / ANN
بقلم نجيب الكمالي، رئيس دائرة العلاقات العامة بالاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين فرع اليمن
في عالمٍ يبدو فيه كل شيء غارقًا في صخب الأسواق ووهج الإعلانات، حيث يتحرك الإنسان كما لو كان دمية بين أيادي الرأسمالية الحديثة، صار من الصعب على أي فرد أن يشعر بحرية حقيقية. لم تعد العبودية تُقاس بالسلاسل الحديدية، بل صارت عبودية خفية ومقنعة، تُصاغ بعناية في عقل الإنسان وروحه. القروض التي تثقل كاهله، الإعلانات التي تزرع في قلبه رغبات وهمية، والعمل المستمر الذي يربطه بدوامة لا تنتهي… كل هذا جعل الإنسان عبدًا للنظام الاقتصادي، وباتت حياته وسيلة لتراكم الثروات لدى فئة قليلة تسمى “أمراء الاستعباد”. في هذا العالم، يصبح الرفاه هدفًا وهميًا، والوظيفة ليست وسيلة لتحقيق الذات بل سلسلة من القيود الخفية تحبس الروح.
لكن بعيدًا عن هذه الدوامة، يطل النموذج الصيني كأفق مختلف، حيث تبدو الحرية حقيقية وتتجسد في التنمية والكرامة الاجتماعية. الصين اختارت أن يكون الاقتصاد أداة لخدمة الإنسان، لا قيدًا له، فالتخطيط المركزي يوجّه السوق لتوفير حياة كريمة للجميع، من خفض الفقر إلى تحسين التعليم وضمانات الرعاية الاجتماعية. الإنسان هناك ليس مجرد رقم أو سلعة، بل محور العملية التنموية، محور يحميه النظام ويعيد له جزءًا من حريته، في مجتمع تسود فيه العدالة الاقتصادية ويقل فيه القهر الناتج عن التبعية للمال والاستهلاك.
النموذج الصيني أظهر أن التنمية لا تعني فقط تراكم الثروات، بل إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والاقتصاد. التجربة الاقتصادية الصينية ليست رأسمالية صرفة، بل نظام مختلط تحافظ فيه الدولة على دور قوي لتوجيه السوق نحو أهداف اجتماعية واضحة، مثل الربط بين المدن عبر بنية تحتية ضخمة، والاستثمار في الطاقة النظيفة، ومبادرة “الحزام والطريق”، إضافةً إلى ضمان مستويات التوظيف حتى في الأزمات الاقتصادية. كل هذا يعكس قدرة الدولة على دمج النمو الاقتصادي مع رفاهية الإنسان، بحيث يصبح التقدم أداة لحياة أكثر كرامة وليس مجرد تراكم للثروات.
رغم نجاحاتها، تواجه الصين تحديات اجتماعية حقيقية، مثل تفاوت الدخل بين المدن الكبرى والريف، وتسليع بعض الخدمات الأساسية كالتعليم والرعاية الصحية، ما يفرض عليها تحديث سياساتها باستمرار لضمان التوازن بين النمو والعدالة الاجتماعية. مؤخرًا، جاءت قرارات قضائية تلزم الشركات بدفع التأمينات الاجتماعية كاملة، ما يعكس حرص الصين على تعزيز شبكة الأمان الاجتماعي حتى لو فرض ذلك ضغوطًا قصيرة المدى على الاقتصاد.
التجربة الصينية تعلمنا أن الحرية الحقيقية ليست مجرد غياب القيود، بل القدرة على اختيار حياتنا وإدارة مصيرنا دون أن نكون مجرد أدوات في لعبة السوق. بينما تُركت المجتمعات الغربية تحت سطوة الرأسمالية لتصبح حياة الإنسان مجرد سلسلة من الديون والاستهلاك، تثبت الصين أن التنمية يمكن أن تكون متوازنة، وأن الاقتصاد ليس عدوًا للحرية، بل يمكن أن يكون حاميًا لها إذا وُجّه بوعي وحكمة.
يبقى السؤال الكبير: هل سنظل عبيدًا لأوهام السوق، أم سنتعلم من التجربة الصينية أن الحرية والكرامة لا تُشترى بالمال فقط، بل تُصان بالسياسات الواعية وبالتنمية الشاملة؟ النموذج الصيني يقدم إجابة، ليست مثالية، لكنها أكثر إنسانية وأكثر شاعرية من أي تبعية صامتة، وأكثر قدرة على أن يجعل الإنسان غاية، لا وسيلة.




