خارطة الطريق التنويرية لمواجهة جائحة التكفير نحو استراتيجية تفكيك بنيوي وتحرير شامل للوعي الإنساني

أجنادين نيوز / ANN

فرقد الأغا

أكدتُ في طروحاتي الفكرية خلال الأعوام الماضية، ولا سيما في مقالَي: ( من سيناء وسامراء: رسائل الموت ونُذر الشؤم) و(التكفير بين فلسفة الكلمات وجدلية الحلول)* كتاب ترانيم الإنسانية / ص66 – ص34. أن المعركة مع التطرف لا تُحسم بالسلاح وحده، وأن الرهان الأحادي على الحسم العسكري هو رهان قاصر يعالج الأعراض ويُبقي الداء حيًّا في البنية العميقة للوعي.
فالتطرف ليس كياناً عسكرياً فحسب، بل منظومة فكرية تعمل كفيروس كامن، قد ينحسر تحت الضغط الأمني لكنه يعاود التفشي كلما تهيأت له بيئة نصية واجتماعية حاضنة. إن الجماعات التكفيرية تستمد شرعيتها الزائفة من نصوص دموية مُؤدلجة تُمنح صفة القداسة، فتُعطل العقل وتحوّل القتل إلى ممارسة تعبدية.
من هنا لا يكمن الحل الجذري في فوهة البندقية، بل في تفكيك البنية الفكرية المنتِجة للعنف، وتحرير الوعي الإنساني من لوثة التكفير. وانطلاقاً من ذلك، أُقدَّم هذه الوثيقة بوصفها خارطة طريق تنويرية موجهة لكل من يسعى إلى معالجة جذرية ومستدامة لهذه الجائحة الفكرية.

أولاً: التشخيص (الداء البنيوي مقابل الأعراض الظرفية).

رغم أهمية المواجهة العسكرية وضرورتها في تحييد الخطر المباشر، فإنها تظل انتصاراً ناقصاً ما لم تُستكمل بتفكيك المرجعية الفكرية التي تُعيد إنتاج العنف. فقتل المقاتل لا يعني القضاء على الفكرة، بل يتركها كامنة قابلة للاستنساخ.
إن الفكر التكفيري يعمل ككائن مجهري يختبئ في شقوق النصوص المؤدلجة، لا يموت بالرصاص، بل ينمو في مجتمعات ضعيفة المناعة الفكرية، ليتحوّل عند أول فرصة إلى جائحة مدمّرة. والحل العسكري، في هذا السياق، لا يتجاوز كونه مضاداً حيوياً مؤقتاً، يعالج الأعراض دون أن يمنع العدوى المستقبلية ما دامت البيئة الفكرية ملوثة.
تكمن الخطورة الكبرى في تقديس التفسيرات البشرية ومنحها حصانة إلهية، الأمر الذي يجعل الفاعل الإجرامي يعتقد أنه يؤدي واجباً دينياً. فالطلقة تخترق الجسد، لكنها لا تقتل العقيدة. ومن هنا، فإن المعالجة الجذرية لا تكون بالقوة الخشنة، بل بتطهير العقل وتحرير الوعي.

ثانياً: المحاور الاستراتيجية للمواجهة

1. مسؤولية الدولة (الحماية، السيادة، والأمن الفكري).

– يتوجب على الدولة الانتقال من موقع المتفرج إلى موقع الشريك الاستراتيجي، عبر إنشاء أطر سيادية دائمة تضم مفكرين تنويريين لوضع سياسات التعليم والإعلام والخطاب الديني.
– كما ينبغي سن تشريعات واضحة تُجرّم خطاب التكفير بوصفه تهديداً مباشراً للأمن القومي، مع توفير حصانة قانونية للمفكرين والنقاد لفتح الملفات المسكوت عنها دون خوف أو ملاحقة.
– إن تحويل التكفير من وجهة نظر إلى جريمة كبرى هو شرط أولي لأي مشروع استئصال حقيقي.

2. دور المثقفين والنخب الفكرية.
لم يعد الحياد موقفاً أخلاقياً، بل بات تواطؤاً غير مباشر. المطلوب هو انخراط فاعل في دعم الأطروحات التي تفكك النصوص الدموية وتعيد الاعتبار للعقل النقدي.
كما يتوجب أنسنة الخطاب التنويري، وتحويل القيم الإنسانية من نظريات نخبوية معزولة إلى ممارسات يومية ومحتوى رقمي حيّ (فيديوهات قصيرة، بودكاست، منصات تفاعلية) يخاطب الأجيال الشابة بلغتهم وأدواتهم.

3. المنهجية الفكرية (تطهير المنظومة العقدية).
تتطلب المواجهة الجذرية نقداً صريحاً للمنظومات العقدية التي منحت تفسيرات تاريخية بشرية صفة القداسة، فحصّنتها ضد المساءلة والنقد. كما تستوجب تفكيك المناهج القائمة على التسليم المطلق، التي تلغي الفرد وتحوله إلى أداة طيّعة بيد الأيديولوجيا.
الغاية هنا هي ترسيخ القيمة الإنسانية بوصفها المعيار الأعلى للحقيقة والحق، لا النص المؤدلج ولا السلطة الرمزية.

ثالثاً: أدوات الاستئصال التنفيذية.

الفلترة التراثية الكبرى:
وضع ميثاق إنسانية النص، بحيث يُصنّف كل نص يصادم الكرامة الإنسانية أو يحرض على القتل خارج الأصول العقدية الكبرى كـ تراث تاريخي غير ملزم، ويُمنع تدريسه بوصفه ديناً.

الجراحة الفكرية للمناهج:
استبدال أدبيات الولاء والبراء بقيم المواطنة الكونية، وإدخال مادة التفكير الناقد منذ المراحل التعليمية الأولى.

تنشئة القيادات التنويرية:
تأسيس معاهد متخصصة لإعداد جيل جديد من الخطباء والمعلمين والمثقفين بلغة إنسانية عابرة للمذاهب والهويات الضيقة.

المنصة الرقمية للتنوير:
تطوير خوارزميات مضادة للتطرف، تلاحق الخطاب التكفيري رقمياً وتواجهه فوراً بمحتوى عقلاني تفاعلي يعيد الاعتبار لمحورية الإنسان.

الحصانة الفلسفية للأطفال:
إدراج مواد فلسفة القيم والتفكير النقدي منذ الطفولة المبكرة، لبناء مناعة ذاتية ضد أي عملية برمجة أيديولوجية لاحقة.

المختبرات الفكرية الجامعية:
إقامة ورش بحثية تهدف إلى تفكيك قدسية التفاسير الدموية وتحليلها تاريخياً وفلسفياً.

تشريعات سيادية:
إقرار قانون حماية العقل، وتأسيس مجلس أعلى للتنوير بصفة مستقلة.

تنقية المناهج والإعلام:
فلترة المكتبات العامة، وإطلاق منصات إعلام بديل، ودعم الفنون والفلسفة كخط دفاع أول ضد العنف.

المواطنة العابرة للمذاهب:
تجريم التصنيف الطائفي في المؤسسات الرسمية والمجتمع، بما يضمن ذوبان الهويات الفرعية في الهوية الإنسانية والوطنية.

من الردع العسكري إلى التنوير .
إن الهدف النهائي لا يقتصر على احتواء التطرف أو الدفاع ضدّه، بل يتمثل في إعادة هندسة العقل الجمعي، وإحداث انبعاث للذات الإنسانية: ذات حرّة، واعية، ومحصّنة فكرياً.
فالاستثمار الحقيقي ليس في السلاح، بل في تحرير العقل؛
والعقل الذي يتحرر من قيود النص المسموم هو عقل لا يمكن استعباده ولا تفجيره.

[ الحل العسكري يحرر الأرض، لكن المفكر التنويري هو من يحرر الإنسان ] .

زر الذهاب إلى الأعلى