لا إكراه في الدين”: دستور التعايش في مواجهة “العقل الجمعي” المتشدد

أجنادين نيوز / ANN
بقلم: حكيم زغير الساعدي
المقدمة
في زمنٍ تتقاذفه أمواج الصراعات الفكرية، وتُشوه فيه المفاهيم الدينية لتصبح أدواتٍ للإقصاء بدلاً من البناء، تبرز إشكالية العصر الكبرى: كيف نستعيد السلم المجتمعي من براثن الفكر التكفيري؟ إن الطريق نحو التعايش يبدأ من تفكيك التأويلات السقيمة، والعودة إلى جوهر النصوص التي جعلت من حرية الإنسان واختياره قدساً لا يُمس.
أولاً: النصوص الدينية القرآنية وفلسفة الجهاد
فلسفة الجهاد في الدين لا تعني الاعتداء على الآخرين، أو سلب حرياتهم، أو إقصاءهم وتزييف هويتهم، أو تهجيرهم من ديارهم وارتكاب المجازر بحقهم؛ فمفهوم الجهاد بهذه الكيفية هو مفهوم مغلوط وغير صحيح. إن الجهاد بحقيقته -التي غُطيت وزُيفت- هو أمرٌ للدفاع عن النفس، وحفظ الدماء والأعراض. ولو راجعتَ حروب النبي لَوَجدتها كلها دفاعية، فلم يبدأ بحرب يوماً؛ فلماذا يستغل مكفرو اليوم النصوص الدينية ويلوون أعناقها لقتل الآخرين وإقصائهم؟
ثانياً: التأويل الخاطئ للنصوص الدينية
أحياناً، يُعطي التأويل الخاطئ للنصوص فكراً وفهماً عكسياً بعيداً عن روح النص، وهذه مشكلة نحتاج إلى فهم عميق لها لمحاولة علاجها وتقويمها. إن النصوص تُؤول اليوم على غير دلالاتها ومقاصدها، وهذا أمر يتصدر المشهد السياسي، ويتحول إسقاط هذا الفهم السقيم على الأيديولوجيا إلى قنبلة موقوتة تنفجر في أي ساعة. إن تأويل النصوص على غير مداليلها ينتج التكفير والإقصاء بحق الآخرين، أو حتى بحق من هم من نفس الملة والدين.
ثالثاً: مفهوم “لا إكراه في الدين
نفهم مما تقدم أن التكفير يتعارض تماماً مع مبدأ عدم الإكراه، بِلِحَاظِ أَنَّهُ بَعِيدٌ كُلَّ الْبُعْدِ عَنْ رُوحِيَّةِ مَفَاهِيمِ الدِّينِ الْحَنِيفِ؛ حيث إن الإكراه لا علاقة له بماهية وفلسفة تعاليم الدين السمحة التي تقوم على القناعة القلبية لا القسر البدني.
رابعاً: استغلال الشباب المندفع
لقد استُغلت هذه الإشكالية في جدلية التكفير لتثبيت أساسه كمنهج ديني مقدس؛ حيث إن قلة خبرة الشباب في فهم أحكام الدين ومعرفة مقاصده سمحت لأصحاب الفكر التكفيري باستغلال هذه الشريحة وزجها في مهالك الحروب بحجة “محاربة الكافرين”. ولأن الشباب يمتلكون الاندفاع العاطفي، فمن الطبيعي أن ينساقوا خلف هذه الأفكار ويعتنقوها كعقيدة لا يجوز النقاش فيها، معتبرين إياها من الثوابت القطعية المحرم نقدها.
خامساً: المأساة الحقيقية.. العقل الجمعي
تعد هذه العقلية المأساة الحقيقية في نشوء ظاهرة التكفير الديني؛ بِلِحَاظِ أَنَّ الْعَقْلِيَّةَ الْجَمْعِيَّةَ تَعْمَلُ كَالْأَوَامِرِ الْعَسْكَرِيَّةِ الصارمة التي ترفع شعار: (نَفِّذْ وَلَا تُنَاقِشْ)، مما يلغي دور العقل الفردي والمسؤولية الشخصية.
سادساً: من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر
هنا أراد الله عز وجل عدم جبر الإنسان على اعتناق العقيدة، بل أراد له الاختيار بمحض إرادته دون ضغط أو إجبار. ولكن هذا الفهم التحرري بعيد كل البعد عن الفكر التكفيري ومن يروج له، إذ يحاولون تنصيب أنفسهم حكّاماً على ضمائر البشر.
الخاتمة
بِلِحَاظِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، فإن الْفِكْرَ وَالْعَقِيدَةَ لَا يُمْكِنُ فَرْضُهُمَا على أي إنسان قسراً. فإذا كانت عَقِيدَةُ التَّكْفِيرِ هي السائدة، فَكَيْفَ يَكُونُ هُنَاكَ تَعَايُشٌ سِلْمِيٌّ؟ وَكَيْفَ يَأْمَنُ الْإِنْسَانُ عَلَى حَيَاتِهِ وَمَصِيرِ عَائِلَتِهِ؟
إنَّ الدِّينَ مَنْظُومَةٌ لِلتَّعَايُشِ وَاحْتِرَامِ الْإِنْسَانِ، ويجب أن يسود فيه التسامح مع “المخالف” و”المختلف”؛ فالدين يتخذ الإنسان غايةً ووسيلةً لكي يكون كائناً سوياً، يليق به أن يكون ذلك الخليفة الذي أراد الله له أن يعمر الأرض، وينشر الصلاح والإصلاح فيها، وفق تعاليمه وتشريعاته (سبحانه وتعالى) ٠




