البودكاست والاستعراض الثقافي!

اجنادين نيوز / ANN
د. حيدر علي الاسدي
انتشرت في الآونة الأخيرة مظاهر وصور الاعلام الجديد بظل دخول مفاهيم التكنولوجيا والميديا الجديدة الى جميع مسارات ونوافذ الحياة بوصفها من اهم الوسائل العصرية لمخاطبة الجماهير (والاتصال) معها ولعل احد اهم تلك المظاهر هو (البودكاست) فهو من احد مظاهر ووسائل التعليم والاتصال الحديث وان ابتعد عن المعنى التطابقي التام مع (وظائفه) الا اننا لا ننكر بالتأكيد أهميته في الوصول للجماهير بخاصة في ظل فن المونتاج والتقطيع واختيار المشاهد والدقائق الأبرز في هذه الحواريات المسموعة التي تحول غالبها الى (مرئي) عبر مواقع التواصل الاجتماعي، الا اننا في ظل هذه الهيمنة لاحظنا انتشار البرامج المتعلقة بالفن والثقافة والمعرفة والعلم من خلال (البودكاست) وفيها كمية كبيرة من المثاليات والتنظير من الشخصيات التي يتم استضافتها في تلك البرامج المسموعة ولكن في الواقع نجد أولئك الضيوف بعيدون كل البعد عن (التطبيق الحقيقي لمسار المثقف المشارك بهموم مجتمعه) بل ان المثقف يظهر في تلك الحواريات (قارئ) موسوعي ملم بالمعارف واصناف الثقافة المختلفة والاستعراض اللغوي البانورامي لتلك المعلومات عبر هذه المنصة ولكن في الواقع لا نجد الأثر الحقيقي لهذه الشخصية على ارض الواقع وهو الامر الذي يشبه إشكالية وظيفة المثقف والثقافة في المجتمع المعاصر في ظل الازمات التي تدور وتترسخ تراتبياً في كل مدة وحين وهو الامر الذي يجعل القضايا مشتبكة ومصيرية وتتطلب من المثقف والثقافة الدور الحقيقي في النزول الى الرأي العام ( الجماهير) من اجل محاولة وضع لبنات الإصلاح والتغيير والبناء نحو الأفضل من خلال منظومة الثقافة لا الاكتفاء بالاستعراض الشكلي السطحي للانشطة الثقافية ، فما فائدة الكتب والثقافة والمعارف ان لم تولد الأسئلة الجوهرية القادرة على تغيير الناس وتغيير الاخر (المجتمع) ان الثقافة برمتها محصلة معارف وعلوم ومسارات متنوعة من الحياة تشكل حضوراً في اللحظة الانية للمجتمعات على مستوى الظواهر والسلوك ونقد السلبيات من خلال منظومة الثقافة هذه بسبيل اخراج مجتمع وفرد ( سوي) متزن على المستوى الاعتباري النفسي وعلى المستوى المادي الحضوري في بناها الظاهرية لعلاقة الفرد بالمجتمع وبالتالي الثقافة بما تحمل من جوهر قادرة (لو استغلت) بوجهها الاصح على بناء الانسان وبناء المجتمعات وبالتالي إدارة كل أزمات هذا المجتمع لانها مسؤولة عن ( التسويات) التي قد تحل العديد من الإشكاليات والجدليات في بنى المجتمع والمنظومة التي تدير هذا المجتمع سواء اكانت المنظومة الحاكمة او المؤسسات او حتى علاقة الثقافة بهذه المؤسسات من خلال ما ينتجه افرادها ( افراد المؤسسة الثقافية) من نتاجات فكرية إبداعية ثقافية قادرة على خلق حالة من الوعي والتنوير مثلم حصل في العديد من البلدان التي تحولت من ركام الحروب والتخلف والتراجع الى مصاف التقدم والقمم والاعمار والتنمية والازدهار والتنوير وهو الذي يجعل من الثقافة كبنى راسخة في التجربة الإنسانية ومولدة للتغيير والإصلاح وتسوية كل ما يمر باعوجاج في هذه المنظومة التي تقود الافراد والمجتمعات من منطلقات إنسانية ، سياسية، اجتماعية ، صرفة في جميع مستوياتها ومظاهرها، وهو الامر الذي يفرض علينا ان نقرن الكلمة والتنظير الثقافي (بعمل حقيقي واقعي) على ارض الواقع لكي نحول من المفردات الجميلة في منحاها الثقافة الى جمل عملية على ارض الواقع يتغير خلالها السلوك والتصرفات البشرية باتجاه الأفضل والرقي والتمدن الحضاري بما يسهم بانشاء مجتمع مسالم ومتصالح وسوي في السلوك وردات الفعل وفي التعامل مع قضاياه المختلفة.




