مقال لكاتب لبناني يعبر عن واقع مؤلم. جدير بالقراءة الواعية: *سقوط مادورو، كشف “الوهم”: وهل كان “استنزاف الشيعة” مخططاً محكماً؟*

اجنادين نيوز / ANN

*بقلم: ناجي علي أمهز*

منذ لحظة استشهاد السيد حسن نصر الله، وما تبعها من انهيار دراماتيكي متسارع، وأنا أحاول فك شفرة هذا السقوط الذي يشبه تهاوي أحجار “الدومينو”؛ يسقط الحجر الأول فتتبعه بقية الأحجار في توقيت مريب. لكن، بعد سقوط دمشق السريع، واستهداف العمق الإيراني، وصولاً إلى المشهد السريالي لاعتقال الرئيس الفنزويلي “نيكولاس مادورو” بالأمس في عملية لم تستغرق ساعتين —وكأنه هو من استدعى “قوات الدلتا” الأمريكية لتخليصه من عبء الحكم— لم يعد الأمر مجرد صدفة سياسية.

إننا أمام مشهد تم ترتيب مسافاته بدقة متناهية، وبدا وكأن الجميع مبرمجون على “توقيت سقوط” واحد، مما يدفعنا لإعادة قراءة الحكاية من جذورها، بعيداً عن العاطفة، وبمنطق التشريح السياسي والنفسي.

تبدأ القصة من قراءة الآخر لنا. أتذكر بعد “تفاهم مار مخايل” عام 2006، واللقاءات التي جمعت قيادات من التيار الوطني الحر بحزب الله، كان هناك شبه إجماع لدى رفقائنا “العونيين” على وصف الشيعة بأنهم “طيبون، بسطاء، مؤمنون بقضيتهم، ويفتقرون للخبث أو التعجرف السياسي”. رغم اعتزازي حينها بـ”إنسانية” المنتمي الشيعي وصدقه، إلا أنني كنت أتوجس من هذا التوصيف؛ فالسياسة في جوهرها “فن الخبث والمناورة”، والصدق المطلق فيها قد يتحول إلى ثغرة فكرية ووجودية. لكن كان حضور السيد نصر الله الكاريزمي يغطي على هذا “القصور” في الأدوات السياسية والإعلامية للمجتمع الشيعي، ويمنحه ثقلاً يوازي القوى العالمية.

المنعطف الخطير بدأ عام 2012، حين وُلد ما يُسمى بـ”إعلام محور المقاومة”. ظهرت طبقة من “المحللين الاستراتيجيين” ومنظري “أبو العريف”، الذين قدموا قراءات للعالم تشبه “الكوميديا السوداء”. كان تنظيرهم للمتغيرات الدولية منفصلاً تماماً عن الواقع، وكأننا أمام حالة من “الهذيان الجماعي” الذي يُسوق بصفته علماً يقيناً.

في ذلك العام 2012، كتبتُ محذراً من هذا السقوط الإعلامي الحتمي، فليس من الطبيعي أن يرهن شعبٌ وعيه لخرافات وأوهام لا وجود لها حتى في قصص الخيال. لكن الكارثة وقعت حين تحول هذا الإعلام إلى “بيئة مغلقة” استقطبت لوناً طائفياً واحداً، مما أدى إلى حالة من “التسطيح الفكري” المرعب. لقد حذرتُ في مقالي الشهير عام 2016 بعنوان “حزب الله في خطر”، مؤكداً أن الخطر ليس عسكرياً بل هو “تكتيكي واستراتيجي”، وأن العالم سيسخر من هذا الأداء السياسي الهزيل الذي لا يليق بحزب يعتبر نفسه لاعباً إقليمياً. لكن، صُمّت الآذان واستمر الانحدار.

حقيقةً، لا أحد من العقلاء كان يعرف ماذا يجري، بل حتى خرج البعض —أمثال المطران عودة— وقالها صراحة: “لا نفهم عليهم”، ثم تبعها بعض اللبنانيون بعبارة: “ما بيشبهونا ولا بيشبهوا حدا بالعالم”، ومقولة “حزب الله تحركه إيران”؛ لأن الجميع كان يعتقد أن أقوى القوى في محور المقاومة تُدار من خارج كوكب الأرض، بسبب ما يعلن ويقال عبر الفضائيات.

كنت دائماً أبحث عن سبب هذا الانفصال التام عن الواقع والوقائع؛ هل كان بسبب فائض القوة؟ أم أن هناك مشروعاً لتسطيح المحور وتجهيله عمداً حتى يُعدم الفكر والبحث والمعرفة؟ ولكن حتى لو كان مطلوب تغييب العقول لكن ليس الا هذا المستوى، لإن وصول شعب إلى هذا المستوى من السطحية يمثل خطراً وجودياً.

ومما اكد صواب فكرتي، انني كنت أشاهد فيديو كوميدياً لأحدهم ينتقد كلام “الكوثراني” الذي يقول: “الإدارة نتركها للإخوة السنة، السياحة للمسيحيين، أما الدفاع والسلاح والمسيرات والصواريخ الدقيقة فهي خُلقت للشيعة”.

هذا التوظيف، رغم مسحته الفكاهية، كان طعنة في خاصرة الوجود الشيعي. من هنا فهمتُ “الوضعية القاتلة” التي وُضع فيها الشيعة: أن يقدموا هم الدماء والأموال، بينما تُوضع الإدارة السياسية والإعلامية في أيدي تيارات قومية ويسارية وبعثية استغلت هذا الاندفاع العاطفي.

هؤلاء الحلفاء، من دمشق إلى كاراكاس، كانوا يدركون أن الشيعة “مقاتلون أشداء ومسيّسون ضعفاء”، لذلك استثمروا فيهم إلى آخر نقطة من دمائهم وآخر قرش من أموالهم.

ما كشفه بشار الأسد وجنرالاته من سخرية بحلفائهم الشيعة بعد هربه بالأموال إلى موسكو، يؤكد أن الشيعة كانوا بالنسبة لهؤلاء مجرد “خزان بشري ومالي”. حتى الحلفاء في فنزويلا وكوبا والبرازيل، لم يكن مطلوباً منهم سوى “الخطابات الرنانة”، بينما يدفع الشيعة الثمن من وجودهم ومستقبلهم.

حتى حلفاء حزب الله في الداخل اللبناني —وبالرغم من أن غالبيتهم لا وزن شعبياً أو سياسياً له— قالوا للحزب بكل برودة ووقاحة: “نحن لسنا معكم في أي قرار سياسي”؛ لأنهم كانوا متأكدين بأن حزب الله لا يملك أجندة سياسية أو إعلامية “لبنانية”.

وهذا ما ظهر واضحاً في النكبة التي يعيشها الشيعة اليوم؛ فلولا وجود “بعض الشيعة” الذين نجوا من التضليل السياسي والإعلامي الذي صاغه اليسار والقوميين والبعثيين، لكان الشيعة اليوم مشردين كما يُشرد أهالي غزة، ولا يوجد في العالم العربي من يذرف عليهم دمعة حزن.

ثم جاء سقوط مادورو السريع للغاية، ليمثل سقوط “النموذج” الذي لا يملك رؤية حقيقية. وحتى سقوط دول اخرى في المحور ستكون مسالة وقت فقط، فقد تبين ان الذي كان يحمي المحور هو السيد نصرالله.

كل هذا الجنون الاعلامي والسياسي الذي انتجه البعثيون واليساريون والقوميين العرب، جلب على الشيعة الويلات واليوم اتخوف ان يختفي الدور الشيعي، كما اختفى البعثيون في العراق وسوريا، وتبخر اليسار اللاتيني كما اختفاء اليسار في موسكو، وان يطارد الشيعة بالعالم ويواجهون تبعات “الجنون السياسي” المستمر منذ 13 عاماً، ولا أحد يعرف متى يتوقف.
الخطر اليوم يتجاوز “الوجود الفيزيائي المكاني والزمني للشيعة”؛ إننا أمام خطر “الاستهزاء التاريخي”. لقد تحول الشيعة، رغم تضحياتهم وآلامهم، إلى مادة للتندر اليومي بسبب سوء إدارة السياسة والإعلام للمشهد الداخلي والاقليمي والدولي.

ختاماً، إن لم يستنقذ الشيعة “وجودهم الفكري” ويحرروا وعيهم من التبعية الاعلامية والسياسية التي تستنزفهم بلا مقابل، فإن الخطر سيمتد ليضرب صلب “التشيع” كفكر ومنهج في المستقبل.
ويبقى السؤال هل ما حصل مع الشيعة كان معدا بخبث واتقان من قبل اعداء الشيعة، ام هو جهل من قبل فئة غريبة عن الشيعة كانت تدير السياسة والاعلام.

زر الذهاب إلى الأعلى