أوزبكستان والعراق يبنيان شراكة استراتيجية وفد 150 رجل أعمال عراقي يزور طشقند

أجنادين نيوز / ANN

عبدالحميد حميد الكبي

طشقند

في خطوة تعكس الزخم المتزايد في العلاقات الثنائية بين أوزبكستان والعراق، وصل وفد عراقي رفيع المستوى يضم نحو 150 رجل أعمال ومسؤولاً حكومياً إلى طشقند في زيارة عمل مكثفة تهدف إلى تعزيز الشراكة الاقتصادية والتجارية بين البلدين.
شهدت مشاركة وزير التجارة العراقي أثير الغريري، ورئيس المجلس الاقتصادي العراقي إبراهيم البغدادي، ونائب رئيس اللجنة الوطنية للاستثمار سالار محمد أمين، إلى جانب ممثلين عن اتحاد الغرف التجارية وأكثر من 120 من كبار رجال الأعمال العراقيين.
وصل الوفد على متن رحلة طيران خاصة في 13 يناير 2026، وبدأ جدول أعماله بحفل استقبال رسمي، تلاه زيارات ميدانية مكثفة إلى مرافق صناعية رئيسية في طشقند وسمرقند.
شملت الجولات استكشاف مصنع “إمزو” المتخصص في أنظمة النوافذ من الألومنيوم والبولي فينيل كلوريد، والذي يمتد على مساحة 16 هكتاراً ويوظف نحو 2500 شخص، مع صادرات سنوية تصل إلى 20 ألف متر مربع.
كما زار الوفد مجموعة “ألميرو” للحلويات تحت علامة “كريمر”، التي تغطي 8.5 هكتارات وتوظف حوالي 1000 موظف وتصدر منتجاتها إلى 15 دولة بقيمة 20 مليون دولار سنوياً.
ركزت الزيارات أيضاً على قطاعات الأدوية والهندسة الكهربائية. اطلع الوفد على مركز “غراند فارم” اللوجستي الذي يجمع 21 شركة أدوية توظف أكثر من 10,331 شخصاً، وتصدر بقيمة 7.7 مليون دولار سنوياً.
وفي مجمع “تيكنوبارك”، الذي يمتد على 103.3 هكتار وينفذ 17 مشروعاً استثمارياً بقيمة إجمالية 465 مليون دولار، أنتج أكثر من 100 نوع من المنتجات الكهربائية والصناعية ووفر 6500 فرصة عمل. أعرب أعضاء الوفد العراقي عن إعجابهم الشديد بمستوى الجودة والإمكانات التصديرية، معبرين عن رغبة قوية في توسيع الإمدادات إلى السوق العراقية.
بلغت الزيارة ذروتها بعقد منتدى الاستثمار والأعمال الأوزبكي العراقي في طشقند يوم 14 يناير 2026، والذي جمع أكثر من 300 ممثل عن مجتمعي الأعمال في البلدين.

حضر المنتدى وزير الاستثمار والصناعة والتجارة الأوزبكي لازيز كودراتوف، ورئيس غرفة التجارة والصناعة الأوزبكية دافرون فاخوبوف، إلى جانب المسؤولين العراقيين البارزين.
يُعد هذا المنتدى الثاني في تاريخ التعاون التجاري بين البلدين بعد المنتدى الأول الذي عُقد في بغداد في ديسمبر 2025.
ناقش المشاركون توسيع التجارة المتبادلة، إزالة العوائق اللوجستية والجمركية، وإطلاق مشاريع مشتركة في قطاعات الأولوية الأدوية، مواد البناء، الزراعة والأغذية، الهندسة الكهربائية، صناعة السيارات، المنسوجات، الأثاث، والتكنولوجيا.
أكد الجانبان إمكانية تصدير المنتجات الأوزبكية مثل المستحضرات الصيدلانية، الأجهزة الطبية، المنتجات الزراعية، الكابلات الكهربائية، والأجهزة المنزلية إلى العراق، الذي يمتلك سوقاً استهلاكياً هائلاً يصل إلى حوالي 70-80 مليار دولار واردات سنوياً مع سكان يبلغ عددهم حوالي 48 مليون نسمة.
كما شهد المنتدى توقيع مذكرات تفاهم بين غرفة التجارة والصناعة الأوزبكية والجهات العراقية المعنية، تلتها اجتماعات ثنائية مكثفة بين الشركات. كما عقدت لقاءات خاصة، منها اجتماع نائبة رئيس غرفة التجارة الأوزبكية شاخلو إبراهيموفا مع رئيسة مجلس سيدات الأعمال العراقيات الدكتورة شذى الزهيري وعدد من رائدات الأعمال العراقيات، حيث تم توقيع مذكرة تعاون لدعم ريادة الأعمال النسائية وتعزيز مشاركة المرأة في المشاريع الاقتصادية المشتركة.
في سياق دبلوماسي أوسع، أكد الرئيس الأوزبكي شوكت ميرضيائيف، خلال اجتماع عبر الفيديو مع وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية في يناير 2026، على أهمية تعزيز التعاون الاقتصادي مع العراق كجزء من استراتيجية توسيع الشراكات التجارية.
شدد الرئيس على ضرورة تحول السفارات والسفراء من الدبلوماسية السياسية التقليدية إلى دبلوماسية اقتصادية فاعلة، تركز على جذب الاستثمارات، تسهيل الصادرات، وإيجاد شركاء تجاريين جدد.
وأعلن عن تقدم ملموس في توريد منتجات أوزبكية إلى العراق بقيمة مئات الملايين من الدولارات خلال عام 2026، معتبراً ذلك نموذجاً ناجحاً لتعزيز الدبلوماسية الاقتصادية في ظل التحديات الجيوسياسية العالمية.
من منظور اقتصادي إعلامي شخصي، تمثل هذه الزيارة ومنتدى طشقند نقلة نوعية في العلاقات الأوزبكية العراقية. أوزبكستان، التي حققت نمواً اقتصادياً مطرداً مع ناتج محلي إجمالي تجاوز 145 مليار دولار في 2025 وصادرات بلغت 33.4 مليار دولار، تبحث عن أسواق جديدة لمنتجاتها المتنوعة في الصناعات الغذائية، الدوائية، الكهربائية والخفيفة. أما العراق، فيمتلك موارد مالية هائلة من النفط، وطلباً كبيراً على السلع الاستهلاكية والمواد الصناعية في إطار إعادة الإعمار.
التبادل التجاري الحالي محدود نسبياً، لكنه يحمل إمكانات هائلة للوصول إلى مئات الملايين من الدولارات سنوياً، خاصة مع إزالة العوائق اللوجستية.
الزيارة تعزز الثقة المتبادلة، وتفتح الباب أمام مشاريع مشتركة في التصنيع، الطاقة، والزراعة.
على سبيل المثال، يمكن أن يؤدي التعاون في قطاع الطاقة إلى مشاريع لتصدير الكهرباء الأوزبكية أو إنشاء خطوط إنتاج مشتركة للأجهزة الكهربائية في العراق، مما يساهم في تنويع الاقتصادين بعيداً عن الاعتماد المفرط على النفط أو المواد الخام.
مستقبلاً، يمكن أن يتحول هذا التعاون إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد تدعم الاستقرار الإقليمي في آسيا الوسطى والشرق الأوسط، وتساهم في اندماج أوزبكستان بشكل أفضل في الأسواق العالمية، خاصة مع سعيها للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية.
النجاح يعتمد على تنفيذ الاتفاقيات الموقعة، استمرار الزيارات المتبادلة، وتطوير قنوات لوجستية أكثر كفاءة.
لذلك، تُعد زيارة الوفد العراقي ومنتدى طشقند خطوة حاسمة نحو عصر جديد من الازدهار المشترك. الإرادة السياسية القوية، مدعومة بإمكانات اقتصادية حقيقية وفرص ملموسة، تجعل من الممكن تحويل التحديات إلى فرص.
مع استمرار هذا الزخم، يمكن لأوزبكستان والعراق أن يصبحا شريكين استراتيجيين يعززان الاستقرار والتنمية في المنطقة بأكملها، محققين مكاسب اقتصادية واجتماعية ملموسة لشعبيهما وللاقتصاد العالمي.
هذه ليست مجرد زيارة، بل بداية لعهد تعاون مثمر يرسم مستقبلاً أكثر إشراقاً واستدامة بين البلدين .

زر الذهاب إلى الأعلى